فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 65

المصارحة الثامنة والعشرون:(قبل الوداع)

أخي الصائم ..

هل لي ـ أخي الصائم ـ بعد أن أكثرت عليك من الحديث أن تسمح لي بأن أخاطب شهرنا الكريم ..

لله أنت يا شهر الصوم والخير، ما أخف ظلك! وما أسرع خطاك! حللت كالضيف الحبيب، وسرعان ما تحزم حقائبك، لتتركنا مع ذكريات جميلة، وكأن آخر يوم منك أول يوم استقبلناك فيه، حينها التفتت القلوب قبل الأنظار، وأشعلنا مشاعرنا حبا وشوقا إليك، لا لأننا نثق في أعمالنا، ولكن لأننا نرجو فيك رحمة ربنا.

نعنو وجوها للإله وتستحي ... في صومنا الأقوال والأفعال

حتى إذا أزف الوداع وأوشكت ... نذر الفراق على الربا تنهال

عشناك شوقا لا يزول وفرحة ... لا تنتهي وإن انتهت آجال

من لنا بمثل شهرنا، يوقظ فينا ما غفا، ويستحث ما ركد، فيا أيها الراحل العزيز تمهل .. فلا تزال همهمات الوداع تئن في قلوبنا .. تقول:

يا أنس المصلين، ترى هل سنبقى على هذه الصلة الحميمة ببيوت الله بعدك؟

يا كهف المساكين، وقد وجدوا فيك النفوس سمحة معطية ترى هل ستستمر تلك النفوس في نداها وجودها؟

يا مدرسة النابهين، ترى هل ستبقى دروسك المثلى نابضة في حياتهم حتى تعود إليهم بإذن الله؟

يا رَوح العباد، ومزرعة الطائعين، وروضة التائبين، وجنة المتقين .. ها أنت ذا تستدبرنا وتمضي، فنعود بعدك نراجع حساباتنا .. فمن الناس من لم يذق لذة صيامك وإن امتنع عن المفطرات، يبيت على المحرمات المخزيات، وينام عن الواجبات الصالحات، فرغم أنفه إن رحلت ولم يغفر له ..

رمضان رب فم تمنع عن شراب أو طعام

ظن الصيام عن الغذاء هو الحقيقة في الصيام

وهوى على الأعراض ينهشها ويقطع كالحمام

يا ليته إذ صام صام عن النمائم والحرام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت