أخي الصائم ..
إن الرحمة تنشأ عن الألم، فإذا ذاق الغني طعم الجوع الذي يذوقه الفقير تحركت أحاسيسه تجاهه، وإن غرغرة المعدة في نهار رمضان لخطبة بليغة اللسان، تعظ الغني أن ينسى أخاه الفقير، فتزكو نفسه، وتتربى على خلال الجود والرحمة والشعور الرفيع، الذي يزهق أنفاس الأنانية، ويرتفع إلى مستوى الإيثار، ورد أن يوسف عليه السلام كان يكثر الصيام وهو على خزائن الأرض، فسئل في ذلك فقال: (( أخاف إذا شبعت أن أنسى جوع الفقير ) ).
أخي الصائم ..
إن من الغلظة حقا أن تجد أقواما لا تهزهم دمعة محروم، ولا تحرك أعصابهم تأوهات مبتلى، ران على قلوبهم ما يكسبون من الأموال الطائلة، فعاشوا لأنفسهم، يهرقون الذهب والفضة بين يدي شهواتهم وسفراتهم بل وأطفالهم، ويضنون بها عن أسرة محتاجة فقدت عائلها، أو يتيم يتجرع مرارة اليتم كل يوم مرات ومرات، وكأنهم ضمنوا النعمة التي بين أيديهم، والله تعالى يقول: (( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ) ).
إن رمضان ـ كما يقول أحد العلماء ـ: (( شهر نزلت فيه هداية السماء إلى الأرض، فناسب أن يكون زمن عبادة ترتفع بها النفوس من شهوات الأرض إلى روحانية السماء، وتتخلص من جوانب المادية ودوافع الغرائز إلى صفاء ونقاء يضفي على النفوس البشرية نوعا من الشفافية والرقة ) ).
فما أقسى قلبه!! ذاك الذي دخل رمضان فلم يغير في موقفه من الفقراء شيئا، وما أرق قلبه!! ذاك الذي لم تطب نفسه حين أراد أن يستعد لشهر الصوم ببعض الاحتياجات إلا أن يتكفل بعدد من الأسر ليفرحهم كما فرح، ويؤنس نفوسهم التي أوحشها الفقر، ولوعتها الفاقة.
لقد اعتاد الناس في رمضان صورا اجتماعية رائعة، يتبادلون فيها هدايا الأطعمة فيما بينهم، ويتداعون إلى الولائم، وكان لا بد أيضا أن يكون لفئة الفقراء منهم نصيب، فبئست الوليمة، يدعى إليها الأغنياء، ويطرد عنها الفقراء.