فهرس الكتاب
البعض الآخر النص على ظاهره فصلوا العصر عندما وصلوا إلى بنى قريظة، وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفريقين [1]
ويظهر هنا جليا أن الاختلاف في وجهات النظر وتقدير الأشياء أمر فطرى طبيعى، وكذلك هو حق عام لكل الناس قال تعالى:"وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" (المائدة: 48)
فسنة الله عز وجل قائمة في اختلاف حظوظ الناس من الهداية والإيمان، وفقهاء المسلمين وأئمتهم الكبار من أمثال الأئمة الأربعة وغيرهم اختلفوا في كثير من الأمور الاجتهادية، وهم جميعا على الهدى وقد اختلفوا بسبب اختلاف الأفهام والتصورات كما قدمنا قبل ذلك، ولم يتجه واحد منهم لجمع الناس على رأىٍ واحد لعلمهم السابق بحتمية الخلاف وكذلك بمشروعيته، وقصة مالك بن أنس رحمه الله مع أبى جعفر المنصور مشهورةُ متداولةُ لما أراد أبو جعفر حمل الناس على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة، فرفض مالك بن أنس رحمه الله وقال قولة مشهورة تستحق أن تعلق في منزل كل إنسان مسلم وغيره حيث قال: (يا أمير المؤمنين لا تفعل فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم)
وقال أيضا: (يا أمير المؤمنين إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار وقد أخذ كل قومٍ من العلم ما بلغهم)
ومما يدل على مشروعية الاختلاف أيضًا أقوال بعض أهل العلم نذكر منها:
* قول ابن تيمية رحمه الله (لابد أن تقع الذنوب من هذه الأمة، ولابد أن يختلفوا فإن هذا من لوازم الطبع البشرى، لا يمكن أن يكون بنو أدم إلا كذلك) [2]
* وقول ابن القيم رحمه الله عن الاختلاف (فإنه أمر لابد منه في النشأة الإنسانية) [3]
* وقول الشاطبى رحمه الله (فتأملوا رحمكم الله كيف صار الاتفاق محالًا في العادة) [4]
وبناءً على ما تقدم نستطيع أن نقرر:
1 -مشروعية الاختلاف بين البشر ناتج عن تعدد ثقافاتهم وآرائهم وتصوراتهم.
2 -عدم حمل الناس على رأى واحد لمخالفة ذلك للفطرة البشرية السليمة.
3 -قبول الاختلاف لا يعنى بالضرورة قبول كل الأراء، إنما فقط يعنى التعايش والسعى إلى إيجاد مناطق مشتركة وأرضية قابلة للوقوف عليها جميعا.
(1) التنوع والاختلاف -منبر الحرية - أحمد حسن زرد مقال على الشبكة العنكبوتية.
(2) ابن تيمية مجموع الفتاوى 4/ 150 - 151
(3) ابن القيم الصواعق المرسلة 2/ 519.
(4) الشاطبى الاعتصام 1/ 470.