الصفحة 26 من 45

وبناءً عليه يظهر أن مصطلح الآخر غربى الأصل والصناعة والخلفية، لا علاقة للمجتمعات والثقافة الإسلامية به إلا في الآونة الأخيرة التى تسربت خلالها العديد من المصطلحات الغربية ذات المدلولات الثقافية الغربية، والتى كان دخولها للثقافة والحياة الإسلامية يمثل إحجافًا بحق ثقافتنا وتراثنا الحضارى العظيم والكبير، ولولا الضعف والاهتراء الثقافى الذى عليه حال الأمة الآن ما كان لأمثال هذه المصطلحات أن تدخل حياتنا الثقافية أبدًا.

المسألة الثانية: التصور الإسلامى لمصطلح الآخر

من المتعارف عليه بين الناس أن الألفاظ قوالب المعانى، فللألفاظ أهمية كبيرة في فهم كلام الناس، ولقد تصالح الناس على مصطلحاتٍ يتكلمون بها ويتفاهمون من خلالها، وقد جاءت النصوص الشرعية بضبط المصطلح واللفظ المستخدم فمن هذه النصوص قوله تعالى"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (البقرة: 104)

قال السعدى رحمه الله: كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول صلى الله عليه وسلم عند تعلمهم أمر الدين (راعنا) ، أى راع أحوالنا فيقصدون بها معنىً صحيحًا، وكان اليهود يريدون بها معنىً فاسدًا فانتهزوا الفرصة فصاروا يخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ويقصدون المعنى الفاسد، فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة سدًا لهذا الباب. ففيه استعمال الألفاظ التى لا تحتمل إلا الحسن وترك الألفاظ القبيحة أو التى فيها نوع تشويش [1] .

ومن هذه النصوص أيضا ذكر النبى صلى الله عليه وسلم لأناسٍ يأتون بعده يسمون الخمر بغير اسمها، وكذلك كراهيته صلى الله عليه وسلم لتغيير اسم صلاة العشاء بالعتمة وذلك حتى لا تتشوه المصطلحات وتصبح الألفاظ موهمة كما قال ابن القيم رحمه الله: (وقال تعالى"وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا"وقال"عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ"، فكانت حكمة ذلك التعليم تعريف مراد المتكلم فلو لم يحصل له المعرفة كان في ذلك إبطال لحكمة الله وإفساد لمصالح بنى آدم وسلب الإنسان خاصيته التى ميزه بها على سائر الحيوان .... ) [2]

وهذا الكلام يدل على أن الألفاظ والمصطلحات وسائل لفهم مقصود ومراد المتكلم، وعلى قدر الإخلال بالوسيلة ضبطًا واعتناءً واستحضارًا يفوتنا المقصود والمراد من كلام المتكلم.

ونحن إذ نتكلم عن مصطلح الآخر فنعتبر الكلام السابق تأصيلًا نظريًا وننزل عليه مصطلح الآخر تنزيلًا تطبيقيًا فنقول وبالله التوفيق: إن لفظ (الآخر) من الألفاظ الموهمة المتعددة المعانى فالآخر هو الغير بإطلاق فقد يكون الأب أو الأم، الأخ أو الأخت، الزوج أو الزوجة، الابن أو الابنة، وكذلك هو الأجنبى والغريب عنك، وهو

(1) تفسير السعدى ص 63 ط. المنار.

(2) ابن القيم الصواعق المرسلة 2/ 641.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت