الصفحة 34 من 45

إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة وأرحمهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك). [1] فهنا رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم يقرر أن الروم (الغرب) سيكونون أكثر الناس عددًا ومنعةً وقوةً عند قيام الساعة وحينما سمع عمرو بن العاص رضى الله عنه هذا الحديث أخذ يعدد الأسباب التى جعلتهم أقوى الأمم وأكثرها شكيمةً وبأسًا وعلمًا وتقدمًا، وهذا يدل على التصاق عمرو بن العاص رضى الله عنه الشديد بالروم مما يؤكد التعايش بين المسلمين وغيرهم ومما يؤكد حرص المسلمين على الاستفادة من كل الناس. وكأن عمرو بن العاص رضى الله عنه عندما تحدث عن بعض الفضائل هناك سواء في السلوك أو في مظاهر التقدم والحضارة عندهم إنما أراد أن يؤكد أن الإسلام لا يرفض أحدًا بناءً على دينه أو لغته أو جنسه إنما التعايش والاستفادة هما أساس التعامل مع كل الناس.

وحديث القرآن الكريم عن معارك الفرس والروم لهو أكبر دليل على تفاعل المسلمين مع غيرهم وعدم رفضهم فقد قال الله عز وجل"الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ" (سورة الروم 1: 5) .

وبعد فقد اتضح جليا لكل ذى عقل وفهم من يرفض من، الغرب أم الإسلام؟

المبحث الرابع: أليات التعامل مع الآخرين في الشريعة الإسلامية

الناس منذ خلقهم الله تبارك وتعالى وهم مختلفو الطباع والرغبات والميول، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (الناس معادن كمعادن الفضة والذهب خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا والأرواح جنودٌ مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) . [2] وكان شأنه صلى الله عليه وسلم في تربية أصحابه رضي الله عنهم وتعليمهم أن يراعى أحوال من يتعامل معهم وينزل الناس منازلهم، وما حدث في فتح مكة خير دليلٍ على ذلك فقد جعل من يدخل منزل أبى سفيان فهو آمن، وما ذلك إلا لأنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن أبا سفيان رجل يحب الفخر. إنها المعرفة بنفسيات الناس وما يطيقون وما يحبون ومعرفة الدخول إلى قلوبهم. وقد كان صلى الله عليه وسلم متمثلًا قول الله عز وجل"ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (النحل: 125) وهو الذى قال الله عز وجل له"فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" (أل عمران: 159) .

وقد أمر الله عز وجل بحسن التعامل مع الآخرين فقال تعالى"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" (النساء: 94) .

(1) أخرجة الإمام أحمد (1/ 230) مسلم برقم 177.

(2) رواه مسلم وقد سبق تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت