فهرس الكتاب
المبحث الثانى: حكم الاختلاف في الشريعة الإسلامية
ونعنى هنا هل يجوز الاختلاف، أم أن الاختلاف ممنوع في الشريعة الإسلامية؟
وقبل الإجابة عن هذا التساؤل يجب أولا أن نتعرف على فائدته، فماذا ستعنيه المشروعية إذا ما أثبتناها؟
نقول وبالله التوفيق أننا إذا ما أثبتنا مشروعية الخلاف فسيترتب على ذلك:
أولا: عدم جواز إنكار مطلق الاختلاف، لأن ما أباحة الشرع لا يجوز إنكاره بل يجب إقراره والرضا عنه.
ثانيا: عدم جواز تجاوز حده المشروع الذى أقره الشرع واباحه، وإحسان التعامل معه.
* وشرعية الاختلاف مأخوذةٌ مما يلى: [1]
1 -فطريته:
فالاختلاف أمر فُطر البشر عليه في جميع شئونهم، وليس خاصًا بالأمور الشرعية قال تعالى"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ" (هود 118 - 119) أى وللاختلاف خلقهم، وهذا هو تفسير ابن عباس رضى الله عنه، والحسن البصرى، وغيرهما من السلف، وهو اختيار الإمام مالك بن أنس، وترجيح ابن جرير الطبرى رحم الله الجميع.
2 -حتميته
فهو أمرٌ لابد من وقوعه، ولا يمكن أن يشرع الله تعالى تشريعًا يضاد ما قدره أزلًا لأن الإرادة الشرعية لا تضاد الإرادة الكونية لكونهما إرادتين لمريدٍ حكيمٍ عليمٍ واحدٍ هو الله تعالى ولكون افتراض تشريع ما ينافى المقدر أزلًا تكليفًا بما لا يستطاع وقد حرمه الله تعالى على نفسه"لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" (البقرة: 286)
فظاهرة الاختلاف في الآراء والأفكار والنظريات والمعتقدات والتصورات ظاهرة أزلية غارقة في القدم وهى كذلك ظاهرة طبيعية وواقعية وفطرية، ومن هنا فالغريب حقا بعد كل ذلك محاولة البعض جعل الناس كلهم يؤمنون بفكر واحد وثقافة واحدة ومعتقدات واحدة. فقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:"فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ"الغاشية (21 - 22)
إن التنوع والاختلاف الذى هو آية من آيات الله وقدرته أبى بعض البشر - عن ظلمٍ وجهلٍ - إلا أن يجعلوا من مدلولاته أسبابًا للعصبية، وأن يقيموا منه حدودًا تفصل بينهم وبين غيرهم من البشر.
وقد ظهر الاختلاف في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقره، فقد اختلف الصحابة رضى الله عنهم في مسألة الصلاة في بنى قريظة عندما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم المجاهدين الخارجين من المدينة ألا يصلوا العصر إلا في بنى قريظة، فتأول بعضهم الأمر على أن ذلك مفاده الإسراع فصلوا في الطريق، بينما أمضى
(1) هذا البحث ملخص من كتاب اختلاف المفتين للشريف حاتم بن عارف العونى (ص 12: ص 15) .