فهرس الكتاب
وأمر الله عز وجل نبييه ورسوليه موسى وهارون عليهما السلام وهما يقابلان أعتى مجرمٍ على وجه الأرض أمرهما أن يلينا معه القول"فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى" (طه: 44) ويوجد من هدى النبى صلى الله عليه وسلم نماذج كثيرة في هذا السبيل منها موقفه حين لقى قريشًا يوم فتح مكة وكانوا يظنون أنه سينتقم منهم فقال لهم (ما ترون أنى فاعلٌ بكم؟ قالوا خيرًا أخٌ كريم وابن أخٍ كريم قال: فإنى أقول لكم ما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم اذهبوا فأنتم الطلقاء) . ومنها زيارته إلى ذلكم الغلام اليهودى والذى كان سببًا في إسلامه عندما جاء ودعاه إلى الإسلام بعد أن مرض فنظر إلى أبيه وكأنه يستأذنه فقال له: (أطع أبا القاسم) فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله) وعن أبى ليلى أن قيس بن سعد وسهل بن حنيف كانا بالقادسية فمرت بهما جنازة فقاما فقيل لهما: إنها من أهل الأرض فقالا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام فقيل: إنه يهودى فقال: أليست نفسًا). [1]
ألا ما أروع هذا الموقف حقا!
هذه هى النظرة الإسلامية للنفس البشرية
فالمسلم يقبل ببساطة أن يوجد له مخالفون في العقيدة ويعلم أن اختفاءهم من الأرض مستحيل، ولذلك يتعايش معهم بشكل طبيعى وخاصةً أن الشريعة الإسلامية توضح بجلاء أطر التعامل وآليات التفاهم مع الطوائف المختلفة من غير المسلمين، ولا أجد أفضل من كلمة ذكرها باحث نصرانى للتدليل على ذلك وهو الدكتور نظمى لوقا إذ يقول: (ما أرى شريعةً أدعى للإنصاف ولا شريعةً أنفى للإحجاف والعصبية من شريعةٍ تقول"وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا"(المائدة: 8) فأى إنسانٍ بعد هذا يكرم نفسه وهو يدينها بمبدأ دون هذا المبدأ أو يأخذها بديدن أقل منه تساميًا واستقامةً .... ) [2]
وفيما يلى نعرض لأسس عامة في علاقة المسلمين بغيرهم:
1 -مشروعية الرحمة العامة
قال تعالى"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" (الأنبياء: 107) ، ومن هنا حض الإسلام على رحمة الناس والرأفة بهم، وجاءت النصوص الكثيرة حول هذا ومنها قوله صلى الله عليه وسلم (لا يرحم الله من لا يرحم الناس) . [3] فالرحمة إذًا شاملة لجميع الخلق وليست خاصة بالمسلمين.
(1) البخارى برقم 1250 ومسلم برقم 961 واللفظ له.
(2) التعامل النبوى مع غير المسلمين د. راغب السرجانى.
(3) متفق عليه (البخارى برقم 7376 مسلم برقم 2322.