الصفحة 25 من 45

إدعاء تأثير جنسٍ بشرىٍ مخصوص له خصائص معينة في صناعة التاريخ، وهو بالطبع الجنس الأوروبى، وهذا ما جعل الفرنسى جوبينو في رسالته حول عدم تساوى الأجناس أن يقول:

(إن الآريين وحدهم هم بناة الحضارة والمحافظون عليها)

وحينما سيطرت فكرة الأنا على عقل النازية جعلت هتلر يقول بتفوق الألمان بالطبيعة على جميع أجناس البشر، ثم تتابعت بعد ذلك النظريات الغربية لتكريس الأنا والبحث عن مسوغات علمية لاستعباد الآخر وتبرير شن حروب إبادة وإقصاء في حقه لأن الآخر ليس إلا عبدًا لا قيمة له، فإبادة الهنود الحمر والحروب الصليبية ومحاكم التفتيش والحروب الأخرى ما هي إلا تطبيق عملى لنظرة الغرب للآخر الذى لا ذنب له إلا إنه صنف غربيًا بالآخر مما يعنى أنه مجرد عبد أو بربرى لا طائل منه. إننا نستطيع أن نقول لقد تم تحديد مفهوم الآخر بحسب وجهة نظر الإنسان الأبيض (الإنسان الأوروبى) ، فهم يرون أن الجحيم هو الآخر كما قال سارتر: (إن الجحيم هو الغير) .

إن خلاصة مصطلح الآخر أنه مصطلح غربى يدل على السلبية والعدوانية في مقابل (الأنا) الغربية الدالة على العلو والزهو والتغطرس، ويبقى السؤال الذى قد يُطرح وهو: ماذا عن الممارسات الغربية المعاصرة تجاه (الآخر) ؟ وهل هناك أى تزحزحٍ في المواقف الغربية المعاصرة تخالف ما هو مسطور في التراث التاريخى؟

كثير من المراقبين يؤكدون أنه حتى مع وجود القوانين المدنية الغربية وحقوق الإنسان في العصر الحديث والتى يعتقد أنها تقيد الإنسان الغربى من ممارسة ثنائية (الأنا - الآخر) ، فإن الإنسان الغربى يحاول جاهدًا التفلت من أسرها كثيرًا إما بعدم تطبيقها خارج حدود بلاد القانون أو بالتلاعب بالقوانين في بلاد القوانين، أو أن الإنسان الغربى يرى وجوب التمييز بطريقة ما بينه وبين الآخر، أو في نهاية المطاف يرى الغربى أن القوانين والحقوق هى من ابتكاره ولذا فهو صاحب المنة واليد العليا فيها وعليها.

* ويمكن أن نلخص التطور التاريخى لمفهوم الآخر في النقاط التالية:

1 -لقد جرى الحديث عن الذات والآخر (الإنسان) العرقى أو الحضارى الثقافى أو حتى الجغرافى الخاضع لمؤثرات الأمر الواقع التى صنعت تباينه أو تمايزه أو اختلافه.

2 -فى إطار الحديث عن الآخر الثقافى برز في أوروبا الحديث عن الآخر السياسى الذى تبلور لاحقا مع بروز الأيدولوجيات الكبرى، وبعد ذلك في إطار الصراع بين الشرق والغرب.

3 -وفى عقود الحرب الباردة الخمسة تأطرت فكرة الآخر بصورة أوضح لأن هذه الحرب كانت حرب أفكار بالدرجة الأولى [1] .

(1) كيف ينظر الإنسان للإنسان الأخر: ومن هو هذا الآخر؟ الأستاذ عبد الجليل زيد المرهون موقع الرياض الإلكترونى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت