قال النووي رحمه الله في"شرحه على مسلم" (1/ 49) مُعلِّقًا على الحديث:
"هذا الحديث ممَّا عدَّه بعض العلماء من المشكِلات، من حيث إنَّ ظاهره غيرُ مُراد، وذلك أن مذهب أهل الحق أنه لا يَكفُر المسلمُ بالمعاصي: كالقتل، والزِّنى، وكذا قوله لأخيه:"يا كافر"، من غير اعِتقاد بُطلان دينِ الإسلام، وإذا عُرِف ما ذكَرنا، فقيل في تأويل الحديث أوجُه:"
أحدُها: أنه محمول على المستحِلِّ لذلك، وهذا يَكفُر، وعلى هذا معنى:"باء بها"- أي: بكلمة الكفر - وكذا:"حار عليه"، وهو معنى رجعَت عليه - أي: كلمة الكفر - فباء، وحار، ورجَع، بمعنًى واحد.
الوجه الثاني: معناه رجعَت عليه نَقيصتُه لأخيه، ومعصية تكفيره.
الوجه الثالث: أنه محمولٌ على الخوارج الْمُكفِّرين للمؤمنين، وهذا نقله القاضي عِياض عن الإمام مالكٍ رحمه الله، وهو ضعيف؛ لأن المذهب المختار الذي اختاره المحقِّقون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع.
الوجه الرابع: معناه أن ذلك يَؤول به إلى الكفر؛ وذلك أنَّ المعاصيَ كما قالوا:"بَريد الكفر"، ويُخاف على المكثِر منها أن يكون عاقبةُ شؤمها المصيرَ إلى الكفر.
الوجه الخامس: فقد رجع عليه تكفيره، فليس الراجع حقيقةَ الكفر بل التكفير؛ لكونه جعَل أخاه المسلم كافرًا، فكأنما كفَّر نفسه؛ إما لأنه كفَّر مَن هو مثله، وإما لأنه كفَّر مَن لا يكفِّره إلا كافرٌ يَعتقد بُطلان دين الإسلام، والله أعلم.
-وأما قوله فيمَن ادعى لغير أبيه وهو يَعلم أنه غير أبيه: (( كفر ) )- ففيه تأويلان:
التأويل الأول: أنه في حق المستحل. التأويل الثاني: أنه كُفر النِّعمة والإحسان، وحق الله تعالى، وحق أبيه، وليس المراد الكفرَ الذي يخرجه من مِلَّة الإسلام، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم للنساء: (( تَكفُرن ) )ثم فَسَّره بكُفرانِهنَّ الإحسان، وكفران العشير"؛ اه."