الصفحة 44 من 57

من الملاحظ أن كثير من الآفات السابقة كانت نتيجة مخالطة الناس، وخصوصًا أهل الفساد منهم، فعلى مَن أراد النَّجاة أن يُصاحب الأخيار، ويبتعد عن الأشرار.

-وقد أخرج أبو داود والترمذيُّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الرجلُ على دين خليله، فلينظر أحدكم مَن يُخالل ) ).

-وأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذِيَك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبةً، ونافخ الكير إما أن يَحرق ثيابك وإما أن تجد ريحًا خبيثة ) ).

قال الإمام النوويُّ رحمه الله في شرح هذا الحديث:"فيه فضيلةُ مجالسة الصالحين، وأهل الخير والمروءة، ومكارم الأخلاق، والورع، والعلم، والأدب، والنهيُ عن مجالسة أهل الشر، وأهل البدع، ومَن يغتاب الناس، أو يكثر فجرُه وبطالته ... ونحو ذلك من الأنواع المذمومة"؛ (شرح النووي على مسلم: 5/ 484) .

فعلى الإنسان أن يتحرَّى غايةَ جهدِه مُصاحبة الأخيار ومجالستَهم، وأن يتجنَّب مجالسة الأشرار؛ لأنه لا يأمَن غائلتَهم، والطبع يَسرق مِن الطبع وهو لا يَدري، وكما قيل:"الصاحب ساحب"، فصُحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث الشَّر؛ كالرِّيح إذا مرَّت على النتن حملَت نتنًا، وإذا مرَّت على الطيب حملت طيبًا، وقيل:"لا تصحَبِ الفاجر؛ فإنه يُزيِّن لك فعله، ويودُّ لك أنك مثله".

ولَمَّا كان الدفعُ أسهلَ من الرَّفع، والوقاية خيرًا من العلاج، أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى فضيلة لزوم الإنسان بيته؛ اتقاءً لآفات اللسان، واحترازًا من الغيبة والنميمة، والجدلِ والسِّعاية ... وغير ذلك.

-فقد أخرج ابن حبان والطبراني في"الكبير"والحاكم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( ... ومَن جلس في بيته لم يغتب إنسانًا كان ضامنًا [1] على الله ) ).

(1) ومعنى ضامن على الله؛ أي: مضمون، وقال النووي رحمه الله في"الأذكار":"معنى ضامن يعنى صاحب الضمان، والضمان الرعاية للشيء".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت