الاستهزاء اصطلاحًا:"هو ارتيادُ أو طلب الهُزْءِ دون أن يسبق من المهزوء مِنه فعلٌ يقتضي ذلك"؛ (المفردات للراغب: ص 543) .
قال تعالى: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [يس: 30] .
وقال تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [الرعد: 32] .
وقال تعالى في شأن المنافقين: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 14، 15] [1] .
-قال ابن كثير رحمه الله:"قال بعضُ أهل العلم: إن المنافقين إذا خلَوا إلى مَرَدَتِهم، قالوا: إنَّا معكم على دينكم في تكذيب محمدٍ صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإنَّما نحن بما نُظهِر لهم"
(1) وقوله سبحانه: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} : ذكر الراغب: أن المعنى يجازيهم جزاء الهُزء، ومعناه: أنه أمهلَهم مدَّةً ثم أخذهم، فسمَّى إمهالهم استهزاء من حيث إنهم اغترُّوا به اغْتِرَارهم بالهُزءِ، فيكون ذلك كالاستدراج من حيث لا يعلمون، ومذهب أهل السُّنَّة إثبات صفة الاستهزاء لله عزَّ وجل حقيقةً على ما يليق بجلاله مع إثبات لازمها.
وقال القرطبي:"سمَّى العقوبةَ باسم الذنب، والعرب تستعملُ ذلك كثيرًا في كلامهم، ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم:"
ألاَ لا يجهلَنْ أحدٌ علينا = فنجهلَ فوقَ جهل الجَاهلينا
فسمَّى انتصارَه جهلًا، والجهلُ لا يَفتخر به عاقل، وإنما قاله ليزدوج الكلام، وقيل: الله يستهزئ بهم في الآخرة، يفتح لهم بابَ جهنم إلى الجَنَّة، ثم يقال لهم:"تعَالَوا، فيُقبلون يسبحون في النار، والمؤمنون على الأرائك - وهي السُّرر - ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى الباب سُدَّ عنهم، فيضحك المؤمنون منهم"؛ (مفردات الراغب: ص 542) ، و (تفسير القرطبي: 1/ 146) .
-وقال"العلامة الشيخ مرعي في أقاويل الثقات: الاستهزاء من باب العبث والسُّخْرِية، فمعنى {يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} ؛ أي: يجازيهم على استهزائهم، وهو من باب المشاكلة في اللفظ ليزدوج الكلام كـ {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] ، و {نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} [الحشر: 19] ، والمعنى: يعاملهم معاملةَ المستهزئ؛ أمَّا في الدنيا: فبإجراءِ أحكام المسلمين عليهم، واستدراجِهم بالإهمال، وأما في الآخرة: فيُروَى أنه يُفتح لأحدهم بابُ الجَنَّة فيسرع نحوه، فإذا سار إليه سُدَّ دونه، ثم يُفتح له بابٌ آخر، فإذا أقبل عليه سُدَّ دونه، وهذا الذي قاله على طريقةِ الخلَف، وأما مذهب السلَف: فلا يُؤَوِّلُون ولا يُكَيِّفُون؛ فيُؤمنون بما أخبر، لا كما يخطُر في أوهام البشر" (غذاء الألباب:1/ 131) .