-ويقول الفيض الزبيدي رحمه الله كما في"تحفة الأحوذي" (5/ 232) :"وقد قال الأئمَّة: الإكثار منه والخروج عن الحدِّ مُخِلٌّ بالمروءة والوقار، والتَّنزُّه عنه بالمَرَّةِ والتَّقبُّض [1] مخِلٌّ بالسُّنَّة والسيرة النبوية المأمور باتِّباعها والاقتداء بها، وخير الأمور أوسطها". اهـ.
يقول المناوي رحمه الله كما في"فيض القدير" (3/ 18) :"المداعبة مطلوبة مَحبوبة؛ لكن في مواطن مخصوصة، فليس في كلِّ آنٍ يصلح المزاح، ولا في كلِّ وقتٍ يحسن الجدُّ، قال:"
أُهازِل حيث الهَزْلُ يحسُن بالفتى = وإنِّي إذا جدَّ الرجالُ لذو جدِّ
-وهذا ما كان عليه السلف الصالح؛ فقد أخرج البخاريُّ في"الأدب المفرد"عن بكر بن عبدالله المزني قال:"كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبادحون [2] بالبِطِّيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال"؛ (الصحيحة: 435) .
-وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"إنِّي ليعجبني أن يكون الرَّجل في أهله مثل الصَّبي، فإذا بُغي منه حاجة وُجد رجلًا"؛ (المراح في المزاح: ص 24) .
قال الماوردي رحمه الله كما في"فيض القدير" (3/ 13) :"العاقل يتوخَّى بمزاحه أحدَ حالين لا ثالث لهما: أحدهما: إيناس المصاحِبين، والتودُّد إلى المخالطين، وهذا يكون بما أنس من جميلِ القول وبسط من مستحسنِ الفعل، كما قال حكيم لابنه:"يا بنيَّ، اقتصِد في مزاحك؛ فإنَّ الإفراط فيه يُذهب البهاء، ويجرِّئ السُّفهاء، والتقصير فيه نقصٌ بالمؤانسين، وتوحُّش بالمخالطين"، والثاني: أن يبتغي من المزاح ما طرأ عليه وحدَث به من همٍّ، ومزاحُ النَّبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج عن ذلك."
قال الإمام النووي رحمه الله كما في كتابه"الأذكار" (ص 343) :"قال العلماء: إن المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إِفراطٌ ويداوَم عليه؛ لأنَّه يورِث قسوةَ القلب، ويشغل عن ذِكر الله،"
(1) التَّقبُّض؛ أي: الكف عن المزاح بالكلية.
(2) التبادح: الترامي بشيء رخو؛ (القاموس المحيط: 1/ 223) .