ويَؤول في كثيرٍ من الأوقات إلى الإيذاء، ويورِث الأَحقاد، ويُسقط المهابةَ والوَقار، وما سلِم من ذلك، فلا مانع منه، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعله نادرًا للمصلحةِ وتطيِيب النَّفس والمؤانسة، وهذا لا مانع منه قطعًا؛ بل هو سنَّة مستحبَّة إذا كان بهذه الصِّفة، فاعتمِد ما نقلنَاه عن العلماء وحقَّقناه في هذه الأحاديث وبيان أحكامها؛ فإنَّه مما يعظم الاحتياج إليه، وبالله التوفيق".اهـ."
-قال ابن حبان رحمه الله:"مَن مازح رجلًا من غيرِ جنسه، هان عليه، واجترأَ عليه، وإن كان المزاح حقًّا؛ لأن كلَّ شيء لا يجب أن يُسلك به غير مَسْلَكه، ولا يظهر إلاَّ عند أهله، على أنِّي أكره استعمالَ المزاح بحضرة العامَّة، كما أكره تركه عند حضور الأشكال".اهـ (روضة العقلاء: 80) .
-قال ابن الغزِّي رحمه الله:"فالعاقل يربأ بنفسِه عن سفاسف الأمور وعن مخالطة السفلة ومزاحهم مطلقًا، وكذلك عن مزاح مَن هو أكبر منه؛ لِما ذكرنا مِن الحِقد وخرق الحرمة"اهـ؛ (المراح في المزاح) ؛ فإنَّ البعض يمزح مع الكلِّ بدون اعتبار؛ فللعالِم حقُّه، وللكبير تقديره، وللشَّيخ توقيره، ولهذا يجب معرفة شخصيَّة المقابل، فلا يمازِح السَّفيه ولا الأحمَق ولا مَن يعرف.
-يقول سعيد بن العاص رضي الله عنه لابنه:"يا بنيَّ، لا تمازح الشريفَ فيحقد عليك، ولا تمازح الدنيء فيجترئ عليك"؛ (أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت: ص 444) .
-وقال محمد بن المنكدر رحمه الله:"قالت لي أمي: يا بني، لا تمازح الصِّبيان فتهون عندهم"؛ (ذكره الغزالي في الإحياء: 3/ 128) .
فإذا خرج المزاح إلى حدِّ الخلاعة، فهو عيبٌ ومذمَّة، والله لا يحبُّ الجهر بالسوء من القول؛ يقول الشافعي رحمه الله:"والمُزاحُ لا تُردُّ به الشَّهادة ما لم يخرج في المزاح إلى عَضَّةِ النَّسَب، أو عَضَّةِ لَحْدٍ أو فاحشة"؛ (السنن الصغرى للبيهقي: 3/ 308) .
فالنفس البشريَّة تحتاج من وقتٍ لآخر إلى شيءٍ من الترويح المنضبط البريء، والمزاحِ الهادف، الذي يجدِّد النشاطَ ويعمل على مواصلة السَّير على الطريق.