-وقال الشوكاني رحمه الله:"فيه (أي: الحديث) دليل على عدم جواز أَخْذ متاع الإنسان على وجه الهزل والمزح". اهـ؛ (نيل الأوطار: 6/ 49) .
فإذا كان المقصد من المِزَاح هو اسْتِرْوَاح النَّفس، سواء للمازِح أو للممزوح معه، فهو أمرٌ جائز، أمَّا المزاح المؤذي المغيِّر للقلوب، المضرُّ بالغير، الموجِس للنفس، فإنَّه لا ينفك عن تحريمٍ أو كراهة، فمِن الناس مَن يستهزئ مازحًا، ويغتاب مازحًا، ويكذب مازحًا، ويحقر أخاه مازحًا، ويأخذ متاع غيره مازحًا، ويُروِّع غيره مازحًا، وينتهك حرمات الإسلام مازحًا، فكم جلب المزاح المُحرَّم من ويلات!
وترويع المسلم على وجه المزاح أمرٌ منهيٌّ عنه شرعًا؛ فقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال:"حدَّثنا أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّهم كانوا يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيرٍ، فنام رجلٌ منهم، فانطلق بعضُهم إلى نَبْلٍ معه فأخذها، فلما استيقظ الرجلُ فَزِع؛ فضحك القومُ، فقال: (( ما يُضحككم؟ ) )، فقالوا: لا، إلاَّ أنَّا أخذنا نبل هذا ففزعَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يحل لمسلم أن يُرَوِّعَ مسلمًا ) )، وفي رواية عن البزار والطبراني وابن حبان عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه أنَّ رجلًا أخذ نعلَ رجلٍ فغَيَّبَها وهو يمزح، فَذُكِرَ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (( لا تروِّعوا المسلِمَ؛ فإنَّ روعة المسلِم ظُلم عظيم ) )."
وترويع المسلم على وجه المزاح مُحرَّم؛ لأنَّه يوغِر الصدرَ، ويلحق الضَّررَ بالغير؛ حيث يصيبه بالخوف والذعر، وهذا أمرٌ نهى عنه ربُّ العالمين في كتابه الكريم؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58] .
-ولله درُّ القائل:
أكرِم جليسَك لا تمازِح بالأذى = إنَّ المزاح تُرَى به الأضغانُ
كم من مزاحٍ جَذَّ حبل قرينه = فتجذَّمَت من أجله الأقرانُ