قال البعض: إن السُّخْرِية والاستهزاء معناهما واحد؛ وعلى ذلك فسَّر كثيرون السُّخْرِية بالاستهزاء [1] ، ولكنَّ الواقع اللغوي وتأمُّل ما ورَد مِنْ ذلك في القرآن الكريم يشيرانِ إلى وجود نوعٍ من الفرق بينهما، ويتمثَّل هذا الفرق في أن الهزء:"هو إظهار الجِدِّ، وإخفاء الهَزْلِ فيه"؛ (التوقيف على مهمات التعاريف: ص 343) .
أي: إنه يكون في القول المصحوب بسوء النِّية، ولا يشترط فيه أن يسبقه فعلٌ من أجله يُسْتَهْزأُ بصاحبه.
أمَّا السُّخْرِية، فإنها تكون بالفعلِ أو بالإشارة، وتكون بالقول، ويسبقها في العادَة فعلٌ مِنْ أجله يُسْخَر بصاحبه، ويتلخَّص من ذلك أن بينهما فرقًا من جهتين:
الأولى: السُّخْرِية تكون بالفعل وبالقول، والهزء لا يكون إلاَّ بالقول، الثانية: أن السُّخْرِية يسبقها عملٌ مِنْ أجله يُسْخَر بصاحبه، أما الاستهزاء فلا يسبقه ذلك؛ (الفروق لأبي هلال العسكري: ص 249) .
-الاستهزاء بالله أو بشرعه أو برسله:
رأينا في هذا الزمان ومِن قبله بزمانٍ مَن يستهزئون بالرسل والأنبياء، وبشرعِ الله الحكيم، ولم يسلَم منهم حتى ربُّ العالمين، وهذا مِنَ الكفر الواضح البيِّن، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [المائدة: 57، 58] .
-وقال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا} [الكهف: 56] .
-وقال تعالى: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ
(1) وممَّن ذهب إلى هذا ابن كثير رحمه الله في"تفسيره" (4/ 4) : حيث فسَّر {يَسْتَسْخِرُونَ} بـ {يَسْتَهْزِئُونَ} .