سبق أن ذكرتُ آثارًا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والسلَف في المزاح، إلاَّ أنَّ مزاحهم كان بصورةٍ فرديَّة مع نوعٍ خاصٍّ من الناس، ولم يكن هذا المزاح على المنبرِ ولا في الأسواق العامَّة؛ وذلك صيانة لعلمِهم ورعاية لجنابهم ومكانتهم.
-قال الإمام أحمد رحمه الله:"فلا ينبغي للعَالِم أن يتبسَّط عند العوامِّ حفظًا لهم، ومتى أراد مباحًا فليستتر به عنهم"؛ (الآداب الشرعية لابن مفلح: 2/ 217) .
-وقال ابن الجوزي رحمه الله:"وإذا رأى العوامُّ أحد العلماء مُتَرخِّصًا في أمرٍ، هان عندهم، فالواجب عليه صيانةُ علمِه، وإقامَة قَدْر العلم عندهم، فقد قال بعض السلَف:"كنَّا نَمْزح ونَضْحك، فإذا صرنا يُقتدَى بنا، فما أُرَاه يسعنا ذلك"؛ (صيد الخاطر: 183) ."
وأخيرًا ... يقول ابن الغزي رحمه الله كما في"المراح في المزاح" (ص 37) :"ولا بأس به بين الإخوان بما لا أَذى فيه، ولا ضرر، ولا غِيبة، ولا شين في عِرْضٍ أو دين، قاصدًا به حُسن العِشرة والتواضع للإخوان، والانبساط معهم، ودَفْع الحشمة بينهم من غير استهتارٍ أو إخلال بمروءة أو نحوه استنقاصًا بأحدٍ منهم، فقد قيل للخليل بن أحمد: إنَّك تمازِح النَّاسَ، فقال: النَّاس في سجن ما لم يتمازَحوا، وفي الاقتداء بمَن ذُكر والاقتفاء بآثارهم أعظم بركة، وفي الخروج عن ذلك الحدِّ أشد عناءً وأبلغ هلكة، وخير الأمور أوساطها"اهـ.
2 -المزاح المباح:
وهو يختلف عن المزاح المستحبِّ في كونه يُقصد به الترويحُ عن النَّفس، وليس له علاقة بتطيِيب نفسِ المخاطَب ومؤانسته"كالمزاح المستحبِّ"، ويُشترط فيه خلوه مِن المزاح المكروهِ أو الحرام، وهذا هو المَقصَد من قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم لحنظلة رضي الله عنه: (( ولكن سَاعةً وساعة ) ).
وعلى هذا يكون المقصود من المزاح المباح هو: الترويح عن النَّفس لتجديد نشاطها في طاعةِ الله.