لو أنَّ إنسانًا دار مع أهل الحبشة ليلًا ونهارًا ينظر إلى لعبهم، ويحتجُّ بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وقف لعائشة وأذِن لها أن تنظرَ للحبشة وهم يلعبون، لكان هذا الإنسان مخطئًا؛ لأنَّ ما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم كان نادرًا، وحُكم النادر ليس كحكم الدائم.
-يقول المباركفوري رحمه الله كما في"تحفة الأحوذي" (5/ 232) :"كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يفعله على النُّدرة؛ لمصلحة تطيِيب نفس المخاطَب ومؤانسته، وهو سنَّة مستحبَّة، فاعلم هذا فإنَّه ممَّا يعظم الاحتياج إليه".اهـ.
-وأنشد أبو الفتح البستي رحمه الله:
أَفِد طَبْعَك المكْدُودَ بالجدِّ راحةً = يَجِمَّ وعَلِّلْهُ بشيء من المَزْحِ
ولكن إذا أعطيتَهُ المزحَ فليَكُنْ = بمقدارِ ما تُعطي الطعامَ من الملحِ
فالمزاح في حياة الإنسان كالملح في الطَّعام؛ إذا زاد عن حدِّه انقلبَ إلى ضدِّه، فإذا أكثر من المزاح تحوَّلَت حياته إلى هزلٍ لا جدَّ فيه، وتذهب هيبتُه، ويُستخفُّ به.
-يقول جابر بن عبدالله رضي الله عنهما في وصف النبي صلى الله عليه وسلم:"كان طويلَ الصمتِ، قليل الضَّحك"؛ (رواه الإمام أحمد، وهو في صحيح الجامع: 4698) .
فعلى الإنسان أن يقتصدَ في المزاح؛ فلا يتركه بالكليَّة، ولا يفرِط فيه ويداوم عليه.
-يقول سعيدُ بن العاص لابنه:"اقتصد في مزاحك؛ فإنَّ الإفراط فيه يُذهب البهاء، ويُجَرِّئ عليك السُّفهاء، وإنَّ التقصير فيه يفضُّ عنك المؤانسين، ويوحِش منك المصاحِبين".
-ويقول الخطيب البغدادي كما في"الجامع لأخلاق الراوي" (1/ 156) :"يجب على طالب الحديث أن يتجنَّب اللَّعبَ والعبث والتبذُّل في المجالس بالسخف، والضحك والقهقهة، وكثرة التنادر، وإدمان المزاح والإكثار منه؛ فإنما يُستجاز من المزاح يسيرُه ونادره وطريفُه الذي لا يَخرج عن حدِّ الأدب وطريقة العلم، فأمَّا متَّصِلُه وفاحِشه وسخيفه وما أوغر منه الصُّدور وجَلب الشرَّ، فإنَّه مَذموم، وكثرة المزاح والضحك يضَع من القَدْر، ويزيل المروءة".
-ويقول بدر الدين أبو البركات محمد الغزِّي رحمه الله كما في"المراح في المزاح" (ص 5) :"فقد ورد في ذمِّ المزاح ومدحِه أخبار، فحمَلنا ما ورد في ذمِّه على ما إذا وصل إلى حدِّ المثابرة والإكثار".اهـ.