الصفحة 50 من 57

أخرج ابن أبي حاتم في"تفسيره"وابنُ أبي شيبة والطبري في"تهذيب الآثار"عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال:"إن الكذب لا يَصْلُحُ منه جِدٌّ ولا هَزْلٌ؛ اقرؤوا إن شئتم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] ".

اعلم أخي الحبيب أنَّ الكذب كلَّه بغِيض، سواء أكان في جدٍّ أم هزلٍ أم مزاح، إلاَّ ما استثناه الشرعُ؛ لأنَّ الكذب في الهزل والمزاح يُعَوِّد النَّفْس على قبولِ الكذب، وقد حذَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أشدَّ التحذير من الذي يكذب ليُضحِك الناس؛ ففي مسند الإمام أحمد وعند أبي داود والترمذي من حديث معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ويلٌ للَّذي يُحَدِّثُ فيَكذِبُ ليُضحِكَ به القوم، ويلٌ له ويلٌ له! ) (صحيح الجامع: 7136) .

-قال المناوي رحمه الله:"أخذ الشافعيَّةُ من هذا الخبر وما أشبهه أنَّ اعتياد حِكايات تُضحك أو فعل خيالات كذلك خارمٌ للمروءة رادٌّ للشهادة، وصرَّح بعضهم بأنَّه حرام، وآخرون بأنَّه كبيرة تَمَسُّكًا بهذا الخبر، وفرضه البعض في كلمة في الغير بباطل يُضحِك بها أعداءه؛ لأنَّ فيه حينئذٍ من الإيذاء ما يربو على كثير من الكبائر ...". اهـ؛ (فيض القدير: 2/ 336) .

وقال:" (( ليُضحك به القومَ، ويلٌ له ويل له! ) )كرَّره إيذانًا بشدَّة هَلَكته؛ وذلك لأنَّ الكذب وحده رأس كلِّ مذموم، وجِمَاع كلِّ فضيحة، فإذا انضمَّ إليه استجلاب الضَّحك الذي يميت القلبَ ويجلب النِّسيان ويورِث الرعونة كان أَقبح القبائح، ومِن ثَمَّ قال الحكماء:"إيرادُ المضحِكات على سبيل السُّخف نهاية القباحة". اهـ؛ (فيض القدير: [6/ 368] ) ."

-ويقول عبدالله بن عمر رضي الله عنهما:"لا يبلغ رجلٌ حقيقةَ الإيمان حتى يدع المِرَاء وهو مُحِقٌّ، والكذبَ في المزاح"؛ (أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت: ص 443) .

وسُئِل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عمَّن يتحدَّث بين الناس بكلامٍ وحكايات مفتَعَلَة كلُّها كذب، هل يجوز ذلك؟

فأجاب رحمه الله: أمَّا المُتحدِّث بأحاديث مفتعَلَة ليضحِك النَّاس أو لغرضٍ آخر، فإنَّه عاصٍ لله ورسوله، وقد روى بهزُ بن حكيم عن أبيه عن جدِّه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إنَّ الذي يُحَدِّث فيكذب ليُضحك القومَ، ويلٌ له ويلٌ له، ثمَّ ويلٌ له ) )، وقد قال ابن مسعود:"إنَّ الكذب لا يصلح في جدٍّ ولا هَزْل، ولا يَعِدُ أحدكم صبيَّه شيئًا ثمَّ لا يُنْجِزه"، وأمَّا إن كان في ذلك ما فيه عدوان على مُسلم وضرر في الدِّين، فهو أشدُّ تحريمًا من ذلك، وبكلِّ حالٍ ففاعِلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت