الصفحة 9 من 58

المغرب وكان ملوك الاندلس يفيئون الى ظله ويحذرونه خوفًا على ملكهم فلما رأوا ما دلهم الى عبوره اليهم وعلموا بذلك راسل بعضهم بعضًا يستجدون اراءهم في امره وكان مفزعهم في ذلك الى المعتمد بن عباد لأنه اشجع القوم واكبرهم مملكة فوقع اتفاقهم على مكاتبته لما تحققوا انه يقصدهم يسألونه الاعراض عنهم وانهم تحت طاعته، فكتب عنهم كاتب من اهل الاندلس كتابًا وهو: اما بعد فانك ان اعرضت عنا نسبت الى كرم، ولم تنسب الى عجز، وان اجبنا داعيك نسبنا الى عقل ولم ننسب الى وهن، وقد اخترنا لانفسنا اجمل نسبتينا فاختر لنفسك اكرم نسبتيك فانك بالمحل الذي لا يجب ان تسبق فيه الى مكرمة، وان في استباقك ذوي البيوت ما شئت من دوام لأمرك وثبوت والسلام [1] .

فلما وصله الكتاب مع تحف وهدايا وكان يوسف بن تاشفين لا يعرف اللسان العربي لكنه ذكي الطبع يجيد فهم المقاصد وكان له كاتب يعرف اللغتين العربية والمرابطية فقال له: ايها الملك هذا كتاب من ملوك الاندلس يعظمونك فيه ويعرفونك انهم اهل دعوتك وتحت طاعتك ويلتمسون منك ان لا تجعلهم في منزلة الاعادي فانهم مسلمون وذوو بيوتات فلا تغدر بهم وكفى بهم من وراءهم من الاعداء الكفار وبلدهم ضيق لا يحتمل العساكر، فأعرض عنهم اعراضك عمن اطاعك من أهل المغرب، فقال يوسف بن تاشفين لكاتبه: فما ترى انت؟ فقال ايها الملك اعلم ان تاج الملك وبهجته شاهده الذي لا يرد فانه خليق بما حصل في يده من الملك والمال ان يعفو اذا استعفي وان يهب اذا استوهب وكلما وهب جليلًا جزيلًا كان لقدره اعظم فاذا عظم قدره تأصل ملكه واذا تأصل ملكه تشرف الناس بطاعته واذا كانت طاعته شرفًا جاءه الناس ولم يتجشم المشقة اليهم وكان وارث الملك من غير اهلاك لاخرته واعلم ان بعض الملوك الحكماء الاكابر البصراء بطريق تحصيل الملك قال: من جاد ساد ومن ساد قاد ومن قاد ملك البلاد، فلما القى الكاتب هذا الكلام على السلطان يوسف بلغته فهمه وعلم صحته فقال للكاتب: اجب القوم واكتب بما يجب في ذلك واقرأ علي كتابك، فكتب الكاتب: بسم الله الرحمن الرحيم من يوسف بن تاشفين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحية من سالمكم وسلم عليكم وانكم مما في ايديكم من الملك في اوسع اباحة مخصوصين منا باكرم ايثار وسماحة فاستديموا وفاءنا بوفائكم واستصلحوا اخاءنا باصلاح اخائكم والله ولي التوفيق لنا ولكم والسلام، فلما فرغ من كتابه قرأه على يوسف بن تاشفين بلسانه

(1) الناصري السلاوي، الاستقصا، 2/ 33؛ المقري، نفح الطيب، 4/ 354 - 355.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت