وليس من المعقول ان يرسل له خطابين متزامنين لنفس الغرض وعليه فمن المحتمل ان يكون احد الخطابين ارسل لمناسبة اخرى أو انه من انشاء النساخ أو غيرهم، وعند قراءتنا لكلا الخطابين نجد ان الخطاب الذي من انشاء المعتمد اقوى من حيث السبك والنظم واكثر بلاغة واصدق معان واقرب الى واقع المسلمين في الاندلس، نعم اعتاد الملوك والامراء ان يتخذوا كتاب وقد اتخذ المعتمد بن عباد مجموعة من الكتاب ولا شك في ذلك، وليس غريبًا ان يكتب المعتمد خطابه بنفسه وهو الاديب الشاعر وصاحب الحس الرفيع ويفرط في هذا الوقت بهذه المهمة دون ان يضع عليها لمسته الفنية الرائعة.
انفرد المعتمد بن عباد بتدبير ما عزم عليه من مداخلة امير المسلمين يوسف بن تاشفين ورأت ملوك الطوائف بالاندلس ما عزم عليه من ذلك فمنهم من كتب اليه ومنهم من شافهه، كلهم يحذرونه سوء عاقبة ذلك وقالوا له: الملك عقيم والسيفان لا يجتمعان بغمد، فاجابهم ابن عباد بكلمته المأثورة السائرة مثلًا: (( رعي الجمال خير من رعي الخنازير ) )اي كونه مأكولًا لابن تاشفين اسيرًا يرعى الجمال في الصحراء خير من كونه ممزقًا للاذفونش اسيرًا يرعى خنازيره في قشتالة، وكان مشهورًا بوثاقة الاعتقاد وقال لعذاله ولوامه: يا قوم انا من امري على حاليتن: حالة يقين وحالة شك ولا بد لي من احدهما فاما حالة الشك فاني ان استندت الى ابن تاشفين أو الاذفونش ففي الممكن ان يفي لي ويبقى على وفائه ويمكن ان لا يفعل، فهذه حالة الشك واما حالة اليقين فاني ان استندت الى ابن تاشفين فأنا ارضي الله وان استندت الى الاذفونش اسخطت الله تعالى فاذا كانت حالة الشك فيها عارضة فلأي شئ أدع ما يرضي الله واتي ما يسخطه؟ فحينئذ قصر اصحابه عن لومه [1] .
فلما عزم المعتمد بن عباد على ذلك خاطب جاريه المتوكل عمر بن محمد [2] صاحب بطليوس [3] وعبدالله بن حبوس بن ماكسين الصنهاجي صاحب غرناطة يأمرهما ان يبعث كل واحد منهما اليه
(1) الحميري، روض المعطار، ص/279، الناصري السلاوي، الاستقصا، 2/ 35؛ المقري، نفح الطيب، 4/ 359.
(2) المتوكل بن الافطس: كان المتوكل عالي القدر مشهورًا بالفضل مثلًا في الجلالة والسرورمن اهل الرأي والحزم والبلاغة ملك بطليوس بعد اخيه المنصور في سنة 461 هـ/1068 م ولم تكن شهرته سياسة او دهاء وانما كان اديب وشاعر وبليغ فكان المتوكل بن الافطس في حضرة بطليوس كالمعتمد بن عباد في حضرة اشبيلية، دخل طليطلة بعد هروب حاكمها القادر بالله يحيى بن ذي النون في سنة 472 هـ اثر ثورة عليه وظل حاكمًا على طليطلة حتى عاد القادر بالله مستعينًا بالنصارى. ابن الابار، الحلة السيراء،2/ 96؛ ابن الخطيب، اعمال الاعلام، ص/185.
(3) بطليوس: بفتحتين وسكون اللام وياء مضمومة ومهملة مدينة كبيرة بالاندلس من اقليم ماردة بينهما اربعون ميلًا وهي على نهر انة غربي قرطبة، وهي مدينة بناها عبد الرحمن بن مروان المعروف بالجليتي باذن الامير عبد الله، وبنى سورها بالتراب ثم بني بالكلس والجندل وبُني في سنة احدى وعشرين واربعمائة، وهي مدينة جليلة في بسيط من الارض وهي على ضفة نهرها الكبير المسمى الغؤور لانه يكون في موضع يحمل السفن ثم يغور تحت الارض حتى لا توجد منه قطرة فسمي الغؤور لذلك وينتهي جريه الى حصن مارتلة ويصب قريبًا من جزيرة شلطيش ومن بطليوس الى اشبيلية ستة ايام ومنها الى قرطبة ست مراحل. ياقوت الحموي، معجم البلدان، 2/ 323؛ الحميري، الروض المعطار، ص/96.