الكاتب بالكتاب، فلما قرأه امير المسلمين يوسف بن تاشفين أمر ابا بكر بن القصيرة [1] ان يجيبه وكان كاتبًا مفلقًا فكتب واجاد فلما قرأه على امير المسلمين قال: هذا كتاب طويل احضر كتاب الاذفونش واكتب على ظهره: الذي سيكون ستراه، فلما عاد الكتاب الى الاذفونش ارتاع لذلك وعلم انه بُلي برجل عظيم له عزم وحزم فازداد استعدادًا [2] .
بلغ الاذفونش بعبور امير المسلمين يوسف بن تاشفين الى الجزيرة الخضراء فجيش جيوشه واستنفر جنوده واستدعى معظم قواده لمواجهة المسلمين ومع اختلاف المؤرخين في عدد مقاتليه الذين بالغوا فيه مبالغةً كبيرة الا انه حشد جيشًا جرارًا يفوق جيش المسلمين عددًا وعدةً ومن ثم ارسل كتابًا الى يوسف بن تاشفين مفاخرًا بقوته وعدده ويغلظ فيه القول مزدريًا بامير المسلمين فلما وصل الكتاب ليوسف اجابه بجملة واحدة لا غيرها (( الذي سيكون ستراه ) )ومع ان امير المسلمين يوسف بن تاشفين يملك من الشجاعة والاقدام ما يجعله اهلًا لهذه الجملة التي اطلقها الا اننا ننبه الى ان هذه الجملة ترددت في كتب التاريخ قبل هذا الزمن بكثير، فقد ورد ان الخليفة هارون الرشيد لما وصله خطاب ملك الروم اجابه: من امير المؤمنين الى كلب الروم جوابي ما ستراه لا ما تسمعه.
ولسنا في معرض التشكيك بهذه الرواية وانما قد يكون ذلك من باب توارد الخواطر والافكار ومن الممكن ايضًا ان يكون يوسف بن تاشفين قارئ جيد للتاريخ قرأ هذه الجملة في سيرة الرشيد وتأثر بها.
توجه امير المسلمين يوسف بن تاشفين الى شرقي الاندلس يقصد ذلك الحصن المحاصر والاصلاح بين المعتمد على الله بن عباد وبين رجل كان قد تغلب على مرسية يقال له ابن رشيق، فاصلح
(1) ابن القصيرة: محمد بن سليمان الكلاعي الولبي الاندلسي، ابو بكر المعروف بابن القصيرة: اديب من كبار الكتاب ينعت بذي الوزارتين نسبته الى ولبة من اعمال أونبة بالاندلس نشأ في دولة المعتضد واعتنى به ابو الوليد بن زيدون فقدمه عنده ثم تقدم عند المعتمد بن عباد وصيره سفيرًا بينه وبين ابن تاشفين الى ان نكب المعتمد، مات سنة 508 هـ/1113 م.
(2) ابن الاثير، الكامل في التاريخ، 8/ 446؛ الناصري السلاوي، الاستقصا، 2/ 37؛ المقري، نفح الطيب، 4/ 361.