-وهتَفت الجن ببعثته - صلى الله عليه وسلم - [1] وحُرِست السماء من استِراقهم السمعَ برسالته - صلى الله عليه وسلم - قال الله العظيم: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} [الجن: 9] .
ومن هتاف الجن ما رواه محمد بن كعب قال:"بينما عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ذات يوم جالس، إذ مرَّ به رجل، فقيل: أتعرف هذا المارَّ يا أمير المؤمنين؟ قال: ومن هو المار؟ قالوا: هذا سواد بن قارب، رجل من أهل اليمن، وكان له رَئِيٌّ من الجن، فأرسل إليه عمر، فقال: أنت الذي أتاك رَئِيُّك بظهور النبي - صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، بينا أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان، إذ أتاني رَئِيِّي من الجن، فضرَبني برِجله وقال: قمْ يا سواد بن قارب، فاسمَع مقالي، واعقِل إن كنت تَعقِل، إنه قد بُعِث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لؤي بن غالب، يدعو إلى الله تعالى وإلى عبادته، وأنشأ يقول:"
عَجِبتُ للجنِّ وتَطْلابِها = وشدِّها العِيسَ بأقْتابِهَا
تَهوِي إلى مكَّةَ تَبغي الهُدى = ما صادِقُ الجنِّ ككَذَّابِهَا
فارحَلْ إلى الصَّفْوةِ من هاشمٍ = ليس قُدَّامُها كأذْنابِهَا
-وتكرَّر معه هذا الرَّئِيُّ ثلاث ليالٍ، كلَّ ليلة يأتيه بأبيات شعر أخرى، قال: فأصبحت وقد امتحنَ الله تعالى قلبي للإسلام، فرحَلت ناقتي وأتيتُ المدينة، فإذا رسول الله وأصحابه، فقلت: اسمع مقالي يا رسول الله، قال: (( هات ) )، فأنشأت:
أتانِي نَجِيٌّ بين هَدْوٍ ورَقْدةٍ = وَلَم أَكُ فيما قد نَجوتُ بكاذبِ
ثلاثُ ليالٍ قولُه كلَّ ليلةٍ = أتاكَ رسولٌ مِن لُؤي بن غالبِ
وكُنْ لي شفيعًا يَوْمَ لا ذُو شفاعةٍ = سِواك بِمُغنٍ عن سواد بن قاربِ
قال: فوثَب إليه عمر، فالْتَزمه، وقال: قد كنت أحبُّ أن أسمعَ منك هذا الحديث، فهل يأتيك رَئِيُّك اليوم؟ فقال: مذ قرأتُ القرآن فلا، ونِعْم العِوَض كتابُ الله من الجن" [2] ."
(1) أعلام النبوة، نفسه، ص (141 - 152) ، وهذا الحبيب محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا محب، نفسه، ص (40) .
(2) أعلام النبوة؛ للماوردي، ص (147 - 149) .