وحول ذلك قال ابن عاشور - رحمه الله - عند قوله تعالى: [وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا] (الفرقان: 50) : إن كثيرًا من الناس لا يقدُر قدرَ النعمة إلا عند فقدها؛ فيعلموا أن الله تعالى هو الربّ الواحد المختار في خلق الأسباب والمسببات، وقد كانوا لا يتدبرون حكمة الخالق، ويسندون الآثار إلى مؤثرات وهمية، أو صورية (ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 4، ص 248) .
ثانيًا: من يرد الله تعالى به خيرًا يوفقه إلى الاهتداء بهدي القرآن الكريم؛ فسيجد فيه كل حاجاته، وكل مراده، وكل طموحاته، وكل سعادة وراحة، فهو كتاب الله تعالى المعجز في لفظه، ومعانيه، ودلالاته الصالح لكل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، ولا شك أن ذلك لا يحصل إلا للمهتدين المؤمنين المتقين، ولكن كما قال تعالى: [فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا] (الإسراء:89) .
وحول هداية القرآن الكريم للمتقين، قال الله تعالى: [ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ] (البقرة:2) ، أوضح السعدي - رحمه الله: [هُدًى لِلْمُتَّقِينَ] لأنه في نفسه هدى لجميع الخلق؛ فالأشقياء لم يرفعوا به رأسًا ولم يقبلوا هدى الله تعالى فقامت عليهم به الحجة، ولم ينتفعوا به لشقائهم، وأما المتقون الذين أتوا بالسبب الأكبر لحصول الهداية، وهو التقوى التي حقيقتها: اتخاذ ما يقي سخط الله تعالى وعذابه بامتثال أوامره واجتناب النواهي؛ فاهتدوا به وانتفعوا غاية الانتفاع، قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا] ، فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية والآيات الكونية (السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ج 1، ص 40) .