فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 98

3 -الوحل والطين:

وقع الخلاف بين الفقهاء القائلين بجواز الجمع بعذر، هل الوحل والطين عذر يباح به الجمع؟ على قولين:

القول الأول: وهو قول المالكية والحنابلة، الوحل والطين عذر يباح معهما الجمع تقديمًا بين صلاتي المغرب والعشاء، لا الظهر والعصر، غير أن المالكية اشترطوا أن يكون الوحل أو الطين مقترنًا بظلمة شديدة؛ أي: الليالي التي لا قمر فيها، ولا يجمع على المشهور عندهم للظلمة وحدها، بل لا بد من اقترانهما معًا، ولم يشترط الحنابلة للجمع بهما شيئًا، قال الإمام مالك: (يجمع بين المغرب والعشاء في الحضر - وإن لم يكن مطرٌ - إذا كان طينٌ وظلمةٌ) .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: (الوحل: الزلق والطين؛ فإذا كانت الأسواق قد ربصت من المطر، فإنه يجوز الجمع، وإن لم يكن المطر ينزل؛ وذلك لأن الوحل والطين، يشق على الناس أن يمشوا عليه) .

القول الثاني: وهو قول الشافعية وبعض الحنابلة، الوحل والطين لا يبيحان الجمع مطلقًا.

ونحن نتفق مع القائلين بعدم إباحة الجمع من أجل الوحل والطين؛ وذلك لعدم ورود هذا العذر ضمن الأعذار التي تبيح الجمع في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وجود الوحل والطين في زمانه، وكذلك لأن زماننا اليوم اختلف من حيث وجود البنية التحتية في غالبية المدن؛ فالشوارع معبَّدة ومرصوفة، ولا يلحق الوحل والطين الأذى والمشقة التي كانت مقصد جواز الجمع عند القائلين به، ولكن أهل الريف ومن لا يزالوا يعانون ويجدون المشقة في بلادهم من الوحل والطين فإن لهم الاستفادة من هذا العذر وفقًا للقول الأول، والله أعلى وأعلم.

ملاحظة هامة: نسمع كثيرًا من عامة الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بعذر وبغير عذر، وهذا كلام غير صحيح وغير مستند لدليل؛ فروى الإمام مسلم في صحيحه والإمام الترمذي في سننه عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: جمع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، من غير خوف ولا مطر، قالوا: ما أراد من ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته؛ (أي: ألا يلحقها الحرج) ، وعلى هذا فالضابط في الجمع: أن يكون في تركه حرج ومشقة وفقًا للضوابط التي وضعها العلماء.

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في ذلك: (نأسف أن بعض الناس الذين يقولون: نتمسك بالسنة يغلطون في هذه المسألة، ويظنون أن الجمع جائز لأدنى سبب، وهذا خطأ، ثم يجب أن نقول: إذا علمنا أنه لا حرج في ترك الجمع صار الجمع حرامًا، وإذا علمنا أن في تركه حرجًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت