خامسًا: النية في الجمع بين الصلاتين:
النية عند الجمع بين الصلاتين، فقد اشترطها أكثر أهل العلم؛ لأن الجمع عمل، فيدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ) )؛ (متفق عليه) .
لكن اختلفوا في محلها، فمنهم من قال: إنها تجب عند الإحرام بالأولى، وهو مذهب الحنابلة، ومنهم من قال: إنها تجوز مع الإحرام بالأولى، أو في أثنائها، أو مع التحلل منها، ولا تجوز بعد التحلل؛ أي: لا تجوز النية بعد السلام من الأولى، وهو مذهب الشافعية.
أما عند المالكية فلا يشترطون نية الجمع قبل الإحرام بالأولى، فيجوز عندهم أن ينوي الجمع بعد السلام من الأولى، وقد ذكر ذلك الإمام مالك، كما جاء في كتاب المدونة الكبرى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (اختلفوا في الجمع والقصر هل يشترط له نية؟ فالجمهور لا يشترطون النية؛ كمالك وأبي حنيفة، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وهو مقتضى نصوصه، والثاني: تشترط كقول الشافعي وكثير من أصحاب أحمد كالخرقي وغيره، والأول أظهر، ومن عمل بأحد القولين لم يُنكر عليه) .
وقال النووي - وهو أحد أئمة الشافعية: (نية الجمع وهي شرط لصحة الجمع على المذهب، وقال المزني وبعض الأصحاب: لا تشترط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع، ولم ينقل أنه نوى الجمع، ولا أمَر بنيته، وكان يجمع معه من تخفى عليه هذه النية، فلو وجبت لبينها، ودليل المذهب أن الصلاة الثانية قد تفعل في وقت الأولى جمعًا، وقد تفعل سهوًا؛ فلا بد من نية تميِّزها) .
ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عدم اشتراط نية الجمع، ومما احتج به: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه الظُّهر بعرفة، ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها، ثم صلى بهم العصر، ولم يكونوا نوَوُا الجمع، وهذا جمع تقديم، وكذلك لما خرج من المدينة صلى بهم بذي الحليفة العصر ركعتين، ولم يأمرهم بنية القصر) ، وقال شيخ الإسلام أيضًا: (ولم ينقل قط أحدٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه، لا بنية قصر ولا بنية جمع، ولا كان خلفاؤه وأصحابه يأمرون بذلك من يصلي خلفهم) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: (والصحيح: أنه لا يشترط نية الجمع عند إحرام الأولى، وأن له أن ينوي الجمع، ولو بعد سلامه من الأولى، ولو عند إحرامه في الثانية ما دام السبب موجودًا) .