فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 98

واتساقًا مع ما سبق أقول: ينبغي للمسلم أن يستثمر فصل الشتاء، وأن يتاجر فيه مع الله تبارك وتعالى بالأعمال الصالحة؛ فالتجارة معه سبحانه وتعالى تجارة رابحة لا محالة، وعلينا أن نتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحةُ والفراغ ) )، فمن يعلم ربما يأتي عليه يوم لا يستطيع فيه العبادة، ولا يقوى فيه على الطاعة، بل قد ينقضي الأجل وتفوت فرصة الاستزادة من العمل الصالح؛ فاليوم عمل بلا حساب، وغدًا حساب بلا عمل؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18] .

وعن عمرِو بن ميمون قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجلٍ وهو يعِظه: (( اغتنِمْ خمسًا قبل خَمس: شبابَك قبل هرَمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شُغلك، وحياتك قبل موتك ) (رواه النسائي، وصححه الألباني) .

-الشتاء عبرة وعظة:

إن في الشتاء موعظة للمؤمنين، ونبين ذلك في النقاط التالية:

1 -إن في شدة البرد عبرة وعِظة لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ عن الزهري، حدثني أبو سلمة بن عبدالرحمن، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله: (( اشتكتِ النار إلى ربها، فقالت: أي ربِّ، أكَل بعضي بعضًا، فأذِن لها بنفَسين، نفَس في الشتاء، ونفَس في الصيف، وهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزَّمهرير ) (رواه البخاري ومسلم) .

ومن وقف عند ذلك وتأمل واعتبر، كان ذلك تشجيعًا وتصبيرًا له على العبادة، حتى يسلم من زمهرير جهنَّم وحرها، وتوجب عليه الاستعاذة من زمهريرها، ومن اجتهد في طاعة الله سبحانه وتعالى، كان حقًّا عليه سبحانه أن يقيَه برد جهنم وحرَّها، وقد وصف الله سبحانه وتعالى أهل النار وما يتعرضون له من عقاب أليم بقوله: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا} [النبأ: 24 - 26] .

والغساق: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنه (الزمهرير البارد الذي يحرق مِن برده) ، وأضاف مجاهد: (الذي لا يستطيعون أن يذوقوه مِن برده) .

ورُوي عن ابن عباس قال: (يستغيث أهل النار من الحر، فيغاثون بريح باردة يصدع العظامَ بردُها، فيسألون الحر ويستغيثون بحر جهنم) ، نسأل اللهَ العفو والعافية، والمعافاة التامة في الدِّين والدنيا والآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت