أهل هَذِهِ الصنعة من تبحر فِيْهَا لا يجهل فقه الْحَدِيْث، إِذْ هُوَ نوع من أنواع هَذَا العلم )) [1] [2] .
وَقَالَ عَبْد الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ، سَمِعْتُ ابْنَ الْمَاجِشُونِ يَقُولُ: كَانُوا يَقُولُونَ: «لَا يَكُونُ إِمَامًا فِي الْفِقْهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ إِمَامًا فِي الْقُرْآنِ وَالْآثَارِ وَلَا يَكُونُ إِمَامًا فِي الْآثَارِ مَنْ لَمْ يَكُنْ إِمَامًا فِي الْفِقْهِ» [3] .
وروى أبو عُمَر بن عَبْد البر عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: سَأَلَنِي الْأَعْمَشُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، وَأَنَا وَهُوَ لَا غَيْرَ، فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ لِي: مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا يَا يَعْقُوبُ؟ فَقُلْتُ: بِالْحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثْتَنِي أَنْتَ، ثُمَّ حَدَّثْتُهُ، فَقَالَ لِي: «يَا يَعْقُوبُ إِنِّي لَأَحْفَظُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجْتَمِعَ أَبَوَاكَ مَا عَرَفْتُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الْآنَ» .
قال أبو عُمَر: وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا أَنَّهُ جَرَى بَيْنَ الْأَعْمَشِ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَبِي حَنِيفَةَ فَكَانَ مِنْ قَوْلِ الْأَعْمَشِ: «أَنْتُمُ الْأَطِبَّاءُ وَنَحْنُ الصَّيَادِلَةُ» ، وَمِنْ هُنَا قَالَ الزَّبِيدِيُّ: إِنَّ مَنْ يَحْمِلُ الْحَدِيثَ وَلَا يَعْرِفُ فِيهِ التَّأْوِيلَ كَالصَّيْدَلَانِيِّ.
ثم روى عن عُبَيْد اللَّهِ بْنُ عَمرو، قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسِ الْأَعْمَشِ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَلَمْ يُجِبْهُ فِيهَا، وَنَظَرَ فَإِذَا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ: «يَا نُعْمَانُ، قُلْ فِيهَا» قَالَ: الْقَوْلُ فِيهَا كَذَا، قَالَ: «مِنْ أَيْنَ؟» قَالَ: مِنْ حَدِيثِ كَذَا، أَنْتَ حَدَّثْتَنَاهُ، قَالَ: فَقَالَ الْأَعْمَشُ، «نَحْنُ الصَّيَادِلَةُ وَأَنْتُمُ الْأَطِبَّاءُ»
وعن سُرَيْجَ بْنَ يُونُس، يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ يَمَانٍ، يَقُولُ: «يَكْتُبُ أَحَدُهُمُ الْحَدِيثَ وَلَا يَتَفَهَّمُ وَلَا يَتَدَبَّرُ فَإِذَا سُئِلَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَسْأَلَةٍ جَلَسَ كَأَنَّهُ مُكَاتَبٌ» [4] .
ومما يدل على براعته وتفوقه في علم الحديث حكمه على بعض الأحاديث بالصحة أو الضعف، قال سليمان بن مُحَمَّد البُجَيْرَمِيّ الشَافِعِيّ (ت 1221 هـ) حاكيا حكم نور الدين الأجهوري
(1) ـ"مَعْرِفَة علوم الْحَدِيْث" (ص 63) .
(2) ـ انظر:"بحوث في المصطلح" (ص 66) ، و"أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء" (ص 65) ، وهما للدكتور ماهر يس الفحل.
(3) ـ"جامع بيان العلم" (2/ 817) (1530) .
(4) انظر هذه الآثار في:"جامع بيان العلم" (2/ 1029: 1031) ، وقد بينا هذا وأمثاله من آداب طلب العلم وطرق تحصيله في شرحنا المطول على"المنظومة الميمية في الوصايا والآداب العلمية"؛ لحافظ بن أَحْمَد الحكمي، يسر الله طباعتها.