مثال آخر: أنه عندما يُعَرِّض الإنسان نفسه للقتل من أجل إنقاذ حياة إنسان آخر (عند الدفاع عنه) فإن هذا السلوك يُعدّ سلوكا أخلاقيا طيبا ومحمودا، ونتسائل هنا: هل اهتمام الإنسان بأن يكون مُتَحَلّيا ومتصفا بهذا الخُلُق الطيب المحمود وحَسْب كافيا لأن يجعله يُعَرّض نفسه للقتل من أجل إنقاذ شخص آخر؟ بمعنى: هل من المنطقي أن يخسر الإنسان حياته من أجل التَحَلِّي والاتِّصاف بهذا الخُلُق المحمود فحسْب ومن ثم لا يكون هناك مكافأة لهذا العمل الجليل الذي قام به وهذا الخُلُق الكريم الذي تحلّى به، أم أنْ يبذل الإنسان نفسه وحياته احْتسابا لله تعالى وانتظارا لمكافئته له على ما قَدَّم مِن عمل جليل وتحلّى به من خُلُق محمود كريم، وذلك لأن الله تعالى قد حثّ الإنسان على التحلّي بهذا الخُلُق الكريم وغيره من الصفات الطيبة ووعده بمكافئته له يوم القيامة (اليوم الذي يُبْعث الناس فيه للحساب) من أجْر وثواب وفَوْز بالجنة إذا قام بهذا العمل من أجله سبحانه وتعالى وتعظيما لتعاليمه جل وعلا؟
لا شك، وأن الإجابة المنطقية هي: أن يبذل الإنسان نفسه وحياته عملا بما حثّه الله تعالى عليه واحْتسابا الأجر والثواب عنده سبحانه وتعالى وانتظارا لما وعده به من مكافئه له يوم القيامة.
ومما أوضحناه، يتبين لنا الحاجة إلى يومٍ يُمْكن القصاص فيه لكل نَفْس بشرية ممّن قد تسبّب في قتلها وإيذائها (من القتلة والمجرمين) ومُجازاتهم بما يستحقونه من عقاب وعذاب، ويُكَافَأ فيه من عمِل على إنقاذ النفس البشرية عملا بما حثّه الله تعالى عليه واحْتسابا له سبحانه وتعالى ... إلى غير ذلك من نماذج.
وبذلك تتضح لنا حكمة الله تعالى في أن جعل هذا اليوم (اليوم الآخر) للبعث والحساب والجزاء، ومن ثم يتبيّن مصداقية ما دعا إليه الإسلام من إيمان باليوم الآخر.
-ولقد دعا الإسلام إلى الإيمان بالقَدَر خيره وشرّه.
ويعني: أن كل ما يحدث في هذا الكون وما يتَعَرّض له الإنسان من خير أو شرّ (كالسرّاء والضرّاء، الغِنى والفقر، الصحّة والمرَض ... ) إنما هو بتقدير مُسْبَق من الله تعالى (وفقا لكمال حكمته ولما اقتضته مشيئته سبحانه وتعالى) وعلى عِلْم كامل منه سبحانه وتعالى فهو العليم الخبير، ومن ثم لا يَقْنُت الإنسان بسبب ما قد يتعرّض له من سوء وشرّ، ويرضى بما قَسَمَه الله عزّ وجلّ له وقَدَّره عليه.
ومما أشرنا إليه في إيجاز شديد يتبيّن لنا صفاء المعتقد الذي دعا إليه الإسلام وتتفق معه الفطر النقية والنفوس الزكية والعقول الرشيدة، والذي به يستنير الإنسان طريقه إلى إلهه وخالقه سبحانه وتعالى فيسْعَد في دنياه وآخرته.