الفصل الثاني:
سياق نظرية الأنساق المتعددة
ظهرت نظرية الأنساق المتعددة، في فترة ما بعد الحداثة، بمثابة رد فعل على البنيوية التي هيمنت مدة ثلاثين سنة على الثقافة الجامعية الغربية والعالمية بصفة عامة، والجامعة الفرنسية بصفة خاصة، ابتداء من سنوات الخمسين إلى غاية سنوات الثمانين من القرن الماضي، في إطار نزعة علمية وضعية وتجريبية، كان الهدف منها البحث عن البنيات الثابتة التي تتحكم في الظواهر المتعددة والمتغيرة.
ويشبه هذا العمل النقدي التفكيكي الذي قامت به نظرية الأنساق المتعددة ما قام به الروسي يوري تينيانوف (Youri Tynianov) ، عندما وجه سهام النقد للشكلانية الروسية؛ أو ما قام به جان بيير ريشار (Jean-Pierre Richard) الذي تجاوز البنيوية الإنشائية؛ أو ما قام به سلمان رشدي (Salman Rushdie) بدعوته إلى الرواية ذات الشكل الكبير (le roman de la grande forme) ؛ أو ما قام به ميخائيل باختين (Bakhtine) الذي دعا إلى البوليفونية أو الأصوات المتعددة؛ وما قام به أمبرطو إيكو (Umberto Eco) أو جاك ديريدا (Derrida) على سبيل التخصيص ...
وقد انتشرت نظرية الأنساق المتعددة في الدول التي تعرف ازدواجية لغوية، أو تعددية لغوية، أو تعددية ثقافية، أو في تلك الدول التي قدمت أفكارا مهمة حول الترجمة لأهميتها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، مثل: إسرائيل، وكندا، وهولندة، وبلجيكا، وإسبانيا، والصين ...