هذا، وقد ظهرت النظرية الإسلامية، في الحقل الثقافي العربي، في الفترة نفسها التي ظهرت فيها نظريات (مابعد الحداثة) ، في مجالات النقد والأدب والفن، لكن حداثتها تكمن في دعوتها إلى النظام والانسجام والاعتدال والوضوح، والانطلاق من الثقافة الربانية، واستلهام التصور الإسلامي في الأدب والنقد وجودا ومعرفة وقيمة. وبالتالي، فهي نظرية أخلاقية متوازنة تهدف إلى البناء، والتأسيس، والتنوير، وتحرير الإنسان من الأوهام الإيديولوجية، وإنقاذه من الضلالة والوثنية والعبثية. كما أنها نظرية لاتؤمن بفلسفات التقويض والتشتيت والاختلاف. وتسعى جاهدة للتعمير، والتغيير، وتخليق الإنسان على أسس أخلاقية صحيحة مستمدة من المصدر الرباني اليقيني.
لنظرية (مابعد الحداثة) إيجابيات وسلبيات كباقي الظواهر والنظريات الثقافية، وباقي المناهج النقدية الأدبية. ومن ثم، لايمكن الحديث عن الكمال والتمام في العلوم الإنسانية إطلاقا؛ لأن الأفكار والمناهج والتصورات تتناسخ وتتناسل وتتوالد تناصا وتقويضا وتفكيكا وتأجيلا وتشتيتا. ومن إيجابيات (مابعد الحداثة) أنها حركة تحررية تهدف إلى تحرير الإنسان من عالم الأوهام والأساطير، وتخليصه من هيمنة الميثولوجيا البيضاء. كما تعمل فلسفات (مابعد الحداثة) على تقويض المقولات المركزية للفكر الغربي، وإعادة النظر في يقينياتها الثابتة عن طريق التقويض والتشكيك والتشتيت والتشريح والهدم. والهدف من ذلك هو بناء قيم جديدة. ومن جهة أخرى، حاربت ثقافة النخبة والمركز، فاهتمت بالهامش والثقافة الشعبية، ثم انتقدت الخطابات الاستشراقية ذات الطابع الاستعماري بالنقد والتفكيك والتحليل.