وهكذا، يتضح لنا أن فلسفة (مابعد الحداثة) لها قيم إيجابية وقيم سلبية، بيد أن مايهم الإنسان في واقعه العملي هو التأسيس والتأصيل، وليس التفكيك والتقويض، مع السعي الجاد إلى البناء الهادف، بدل الانغماس في عوالم افتراضية عبثية وعدمية وفوضوية.
وخلاصة القول، نستنتج، مما سبق ذكره، أن فلسفات (مابعد الحداثة) عبارة عن معاول للهدم والتقويض والتفكيك، و تعمل جاهدة على تحرير الإنسان من المقولات المركزية التي تحكمت في الثقافة الغربية لأمد طويل فلسفيا وأنطولوجيا ولسانيا، مع تخليصه من الميثولوجيا الغربية القائمة على الهيمنة، والاستغلال، والاستلاب، والتعليب، والتغريب، عن طريق التسلح بمجموعة من الآليات الفكرية والمنهجية، كالتشكيك في المؤسسات الثقافية الغربية، وفضح أوهامها الإيديولوجية، وتعرية خطاباتها القمعية المبنية على السلطة والقوة والعنف، وإدانة خطابها الاستشراقي الاستعماري (الكولونيالي) ، ومحاربة التمييز العرقي واللوني والجنسي والثقافي والطبقي والحضاري.
بيد أن لـ (مابعد الحداثة) كذلك عيوبها الخطيرة. ومن أهم هذه العيوب أنها نظرية عبثية وفوضوية وعدمية وتقويضية، تساهم في تثبيت أنظمة الاستبداد والقمع والتنكيل، وتجعل من الإنسان كائنا عبثيا فوضويا لاقيمة له في هذا الكون المغيب، يعيش حياة الغرابة والشذوذ والسخرية والمفارقة، ويتفكك أنطولوجيا في هذا العالم الضائع بدوره تشظيا وضآلة وانهيارا وتشتيتا.