التي أبقت عليهما بعد أن زكت كلا منها من آثار العصبية وأرجعتهما الى فطرتهما - كما في العهد النبوي والراشدي - وتلك التي ما زالت تحتفظ بهما خليطًا متنافرًا من الحسن والسيئ - كما هو في حاضر المجتماعات العربية - وتعمقت خبراتي بسلوك أفراد العشائر والقبائل ومنابعه ومساراته.
بشد النظر في الطرح القرآني الكريم أن كلًا من العشيرة والقبيلة والشعب"جَعْل"- أي تنظيم - إلهي يقوم على روابط الدم والعقيدة ولقد بدأ منذ أصبح لآدم وحواء ذرية قامت بينها علاقة اجتماعية واقتصادية وسياسية ثم اتسعت دوائر هذه العلاقات وتطورت محتوياتها إيجابًا وسلبًا عبر الأزمنة والامكنة.
هذا"الجعل"- أو التنظيم الإلهي - سنة إلهية شاملة لجميع"العوالم"التي خلقها الله سبحانه وتعالى، ونحن نشهد هذه السُنة في عوالم الجماد والنبات والحيوان والإنسان، لكنها في الإنسان تقوم على أصلين: أصل عقدي، وأصل دموي.
فالبناء - مثلًا في الجماد - تتكامل فيه الأعمدة والجدران والسقف والأبواب والشبابيك لتكون المأوى الذي تسكن المخلوقات الحية فيه.
وفي الحيوان يتكامل الرأس والأطراف الخارجية والغدد الداخلية كالمعدة والقلب لتوفير الحياة وأداء الوظائف.
وفي الإنسان يتكامل الرأس والأيدي والأرجل والأجهزة الداخلية كالجهاز الهضمي والجهاز التنفسي والقلب لبقاء حياة الانسان وتدبير شؤونه.
وفي كل دولة يقيمها الانسان تتكامل الوزارات والدوائر والأقسام والجيوش وفرق البوليس لإنجاز المشروعات وبناء الحضارات.
نفس السنة الإلهية في الحياة اجتماعية تتكامل الأسر والعشائر والقبائل والشعوب لتكوين الأمة المسلمة وحمل رسالتها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:"يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير" [1] .
ومعنى (لتعارفوا) ليسهل معرفة بعضكم بعضًا، معرفة تؤدي الى الالفة والتعاون وهذا ما يوجه إليه قوله صلى الله عليه وسلم:"الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها إئتلف، وما تنافر منها اختلف" [2] .
و (العشيرة) "جعل"إلهي تربوي يلتف الناشئة إليه بعد أن يتخطوا مرحلة"الطفولة"الى"الصبا"ويبدأ الواحد منهم المشي على الأقدام خارج - بيت الوالدين - ويبدأ شبكة علاقات اجتماعيةأوسع من دائرة الأسرة: شبكة توسع دائرة التعامل لديه بمقدار القطر والمحيط الذي ترسمه خطاه بعيدًا عن
(1) سورة الحجرات: آية 13
(2) رواه البخاري ومسلم