الفصل السابع
مؤسسات الإدارة والأمن [1]
الأساس الذي يقوم عليه عمل هذه المؤسسات في القرآن والسنة، هو توفير بيئة اليسر التي تهيئ الفرص لتحويل أفكار المثل الأعلى التي تبلورها المؤسسات التي مر ذكرها، إلى تطبيقات عملية، وشبكة علاقات اجتماعية، تكون محصلتها إشاعة ثقافة القسط، أي العدل والتوازن التي توفر للناس الماعون الذي يعينهم على أن يعيشوا دينهم ودنياهم في المعاملات والعبادات والعلاقات والممارسات والولاءات اليومية الجارية في ميادين الحياة المختلفة، ومن الخطورة أن يتناقض عمل المؤسسات الإدارية والأمنية مع عمل مؤسسات التنشئة والتعليم والإرشاد، لأن هذا التناقض يفرز بيئة العسر التي يستحيل فيها ممارسة أفكار الإصلاح وتعاليم الدين، الأمر الذي يفرز الصراع الاجتماعي المهلك والاحباط القاتل، والقنوط المفضي إلى تعطيل فاعلية الإنسان. وهنا تبدو الحكمة من تخصيص مقته تعالى - أي شدة كراهيته - للذين يتحدثون عن أفكار الإصلاح ولا يوفرون لها بيئات التطبيق، ولو كانوا مؤمنين: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} الصف: 2 - 3.
وفي أية بيئة، هناك علاقة طردية بين الممارسات العملية، والأفكار والإرادات النفسية، فإذا حسنت الأولى ارتقت الثانية، وإلى هذا يشير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} العنكبوت: 69.
وفي المقابل إذا ساءت الممارسات، هبطت الأفكار والإرادات. وإلى هذا يشير قوله تعالى {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} المطففين: 14، وهذا ما تأوله الرسول -صلى الله عليه وسلم - حين
(1) انظر مثلا:
أو مجلة: