رسالة المسجد
لم تزل وقائع الاجتماع البشري تقدم الدليل تلو الدليل على ان الانسان حين يزيغ عن السلوك القويم، ويمضي في سبيل الانحراف، يشيع الاضطراب والخوف في حياته، ويلفظه المجتمع ويتداعى لمعاقبته، ولا ينقذه من ذلك كله الا أن يثوب الى بيت الله الحرام ويرجع الى طريق الله وهداه، ولعل هذا ما يشير اليه قوله تعالى"وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا" (1 سورة البقرة الآية 125) ، فإذا كانت الآية الكريمة تشير الى بيت الله الحرام فما ذلك الا لأنه منبع الهداية والطمأنينة، في جنباته تفجرت ينابيع الحق ومنه انطلقت رسالة الهدى والامن لتتوزع في بيوت الله المنتشرة في الارض كافة.
وحين ننظر في واقع الحياة اليومية لا يصعب علينا ان نتبين علة قوله صلى الله عليه وسلم:"وأحب البلاد الى الله تعالى مساجدها وأبغض البلاد الى الله تعالى اسواقها" (1 صحيح مسلم) . لإنه اذا كانت الاسواق مزالق للناس يقترفون فيها الغش والجشع والاحتكار والكذب والخداع ويطففون المكيال وينقصون الميزان ويتنكرون للقيم ويقطعون ما امر الله به أن يوصل، فإن الممساجد هي المثابة التي يتطهرون فيها من ادران ما يقترفون، ويعود لهم صفاؤهم وطهرهم الذي عدت عليه الأغراض والحظوظ، ولوثته الاهواء والشهوات.
وانطلاقًا من هذه السنن الالهية الربانية اجتماعية ارتبطت نشأة المجتمع الاسلامي بالمسجد ارتباطًا وثيقًا، فقد كان أول عمل قام به النبي صلى الله عليه وسلم عند وصوله الى مشارف المدينة المنورة هو تأسيس مسجد قباء، وعندما دخلها بنى مسجده وعمل فيه بنفسه، ثم جعله مركزًا للعبادة والتعليم والادراة والقيادة، واستمر الوضع كذلك زمن الخلفاء الراشدين من بعده، وعندما خرج المسلمون الى العالم أصبح بناء المسجد في الاقططار المفتوحة من دعائم الاستراتيجية الاسلامية، ويذكر الطبري والبلاذري أن المسجد أول شيء خط في الكوفة وانهم بنوه كالمسجد النبوي مربعًا في حدوده وجعلوه وسط المدينة حيث تفرعت الطرق والدروب، وكذلك فعل قبة بن نافع حين اختط مدينة القيروان فبدأ ببناء المسجد الجامع ودار الامارة ثم اختط الناس حولها الخطط والدور. وكذلك بنيت البصرة سنة 16 هـ حيث انشيء المسجد أولا والى جواره دار الامارة وحولهما خطط القبائل، وكان عمر رضي الله عنه يكتب الى قادة الفتح الاسلامي أن يجعلوا اقامة المسجد في رأس الاعمال التي يبدأونها، ومضى الامر على هذه السياسة طوال العهود الاسلامية فاستمر المسجد مكانًا جامعًا للعبادة والتعليم، ودارًا للقضاء، ومركزًا للإدارة ومنزلًا لإستقبال السفراء، وقيادة توجه منها الجيوش. وما ازدهر قطر من أقطار الاسلام الا كان المسجد احد العوامل الرئيسية التي منحته مكانته وعلو قدره، كما هو الحال بالنسبة للأزهر في