في الشعب يدلف الشباب أو الدارسين الى شبكة علاقات أوسع من دائرة العشيرة والقبيلة ويتعداها الى"تعارف"و"تمايز"و"تعاون"أكثر اتساعًا وأشد تعقيدًا.
وفي هذه الدائرة يحتاج الشاب الى التدريب على القيام بالمسئولية والتعاون في دوائر أكثر اتساعًا وأكثر تشابكًا انطلاقًا من صفة"التعارف والتمايز"المفضية الى التكامل والوحدة تحت ظلال ثقافة التنافس على"البر والتقوى"وتطبيقاتها في مجالات الحياة المختلفة و"القسط"معناه - العدل الجميل المصحوب بالسمو الأخلاقي وفي أفياء أخوة الايمان بالله سبحانه وتعالى ومظاهر التعارف والتمايز في دائرة"الشعب"تتجسد في تطبيقات معقدة متشابكة مثل: عراقة السلالات والحضارات، ولون العرق وثقافة الإقليمية، ولغة القومية وعاداته وتقاليده وتضاريسه الطبيعية وذوقه العمراني وانتاجه الأدبي والفني ومهاراته في البناء والانتاج واسهاماته الحضارية في إطار الامة المسلمة الواحدة.
والتوجيهات القرآنية تقدم مظاهر"التمايز"هذه باعتبارها بعض آيات الله سبحانه الدالة على قدرته وعظمته والمفضية الى طاعته وذلك عند أمثال قوله تعالى:"ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف السنتكم وألوانكم ان في ذلك لآيات لقوم يسمعون" (الروم 22 - 23)
وهذا"التمايز"بين الشعوب نعمة من الله المفضية الى عمق"تعاون الشعوب"شريطة أن يفقه الناس آيات الله فيه لأنه يمنح الحياة تنوعًا في مظاهرها، وتجددًا فييي روابطها لهذا"التمايز والتعارف"تكاملا في تبادل العطاء ووحدة في الشعوب:
ولكن جميع هذه المنافع والمزايا التي يحققها هذا"التمايز والتعاون"لا يمكن أن يتحقق الا اذا استرشدت"الشعوب"بتوجيهات القرآن والسنة التي تروي جميع مظاهر"التنوع والتمايز"من الينابيع التي تقرر أن المؤمنين أخوة والتي تفضي الى مزيد من"التعارف"والتعاون.
أما إذا انقطعت هذه"الشعوب"من منابع الاخوة الايمانية فانها تنقلب الى"عصبية شعوبية"تقلب جميع مظاهر التمايز الى تأس في مظاهر الإثم والعدوان واختراع العيوب العرقية وتفخيم المظاهر السلبية وتتبادل الهجاء والتحقير ثم تتحول الى أسباب للتظالم والتنابذ، وبدل أن تتعاون الشعوب على البر والتقوى، فإنها تتعاون على الإثم والعدوان. وهذا هو ما اقترفته شعوب الامة الاسلامية حين ضعفت نظم التربية فيها وانبترت عن أصولها الاسلامية، وانتهى بها الأمر الى اختراع المثالب القومية وتبادل الهجاء الشعوبي وتطبيقاته في الفتن والتمزق والتخالف مع الأعداء ضد بعضها البعض في القضايا الاقليمية والمحافل الدولية، واستوردت فلسفات التربية الاوروبية والامريكية ونظم التعليم المنبثقة عنها والتي فرخت في كياناتهم مفاهيم متناقضة من التعصب العرقي والاقليمي والتوجهات العلمانية - الدنيوية وادعاء الخيرية من الآخرين ووضعت"شعوب"الامة الاسلامية في صدام ضد بعضها البعض ينطبق عليها قوله تعالى:"ضرب الله مثلًا رجلًا فيه شركاء متشاكسون ورجلًا سلمًا لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون" (الزمر 29)