من كثرتها فبعثها الله عليهم فأكلت من لحومهم وشربت دماءهم فلم يبقي إلا العظام والملك كما هو لم يصبه من ذلك شئ فبعث الله عليه بعوضه فدخلت في منخره فمكث أربعمائة عام يضرب رأسه بالمطارق وأرحم الناس به من جمع يديه وضرب بهما رأسه وكان جبارًا فعذبه الله أربعمائة سنة كملكة ثم أماته الله وهو الذي بني صرحًا إلي السماء فأتي الله بنيانه من القواعد وهو الذي قال الله فيه!"فأتي الله ببنيانهم من القواعد" [النحل، الآية رقم: 26)[1]
وقال ابن كثير في [2] :
مكثت في منخره أربعمائة عام عذبه الله تعالي بها فكان يضرب رأسه بالمرازب في هذه المدة حتى أهلكه الله عز وجل بها، فهذا خذلان لرأس الطاغين فكيف بالأذناب الأرذلين.
فرعون:
قال الله تعالي:"إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا" (القصص، الآية رقم: 4 - 6)
تجبر وعتا وطغا وبغي وآثر الحياة الدنيا وجعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم وهم شعب إسرائيل الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن اسحاق وكانوا اذ ذاك خيار أهل الأرض وقد سٌَلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر الفاجر يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف وأرداها وأدناها ومع هذا"يُذبح أبناءهم ويستحي نساءهم"وكان الحامل له علي هذا الصنيع القبيح أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما حفظوه عن إبراهيم صلي الله عليه وسلم من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك مصر علي يديه وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل فتحدث بها القبط فيما بينهم ووصلت إلي فرعون فذكرها له بعض أمرائه وهم يسمرون عنده فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل حذرًا من وجود هذا الغلام فجعل رجالا ً وقوابل يدورون علي الحبالى ويعلمون ميقات وضعهن فلا تلد امرأة ذكرًا إلا ذبحه أولئك الذابحون من ساعته.
لقد ولد موسي صلي الله عليه وسلم والخطر محدق به والموت يتلفت عليه والشفرة مشرعة علي عنقه تهم أن تجتز رأسه وها هي أي أمه خائفة عليه تخشي أن يصل نبؤه إلي الجلادين وترجف
(1) تفسير الطبري (3/ 18)
(2) البداية والنهاية (1/ 141 ) )