تضعف سير القلب إلي الله والدار الآخرة أو تعوقه أو توقفه وتقطعه عن السير فلا تدعه يخطوا إلي الله خطوة إلا ترده عن وجهته إلي الوراء فالذنب يحجب الواصل ويقطع السائر وينكس الطالب والقلب إنما يسير إلي الله بقوته فإذا مرض بالذنوب ضعفت تلك القوة التي تسيره فإن زادت انقطع بالكلية عن الله انقطاعًا يصعب تداركه فالذنب إما أن يميت القلب أو يمرضه مرضًا مخوفًا أو يضعف قوته ولابد حتى ينتهي ضعفه من اللجوء والاستعانة بالله ثم الأشياء الثمانية التي استعاذ منها النبي وهي: الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال. [1]
نشكو إلي الله القلوب التي قست وران عليها كسب تلك المآثم
من خشية المولي هوي الجبل الذي في الطور لانت قسوة الأحجار
أولم يئن وقت الخشوع فلا تغرن الحياة سويوار
(6) سبب في مرض القلب
فهي تصرف القلب عن صحته واستقامته إلي مرضه وانحرافه فلا يزال مريضًا معلولا ً لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه فإن تأثير الذنوب في القلوب كا تأثير الأمراض في الأبدان بل الذنوب أمراض القلوب وداؤها ولا دواء لها إلا تركها وقد اجمع السائرون إلي الله أن القلوب لا تعطي مناها حتى تصل إلا مولاها ولا تصل إلي مولاها حتى تكون صحيحه سليمة ولا تكون صحيحة سليمة حتى ينقلب داؤها فيصير نفس دوائها ولا يصح لها ذلك إلا بمخالفة هواها فهواها مرضها وشفاها مخالفته فإن استحكم المرض قتل أو كاد يقتل ولا يظن الظن أن قوله تعالي"إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم"[الأنفطار، الآية رقم 13)
مقصور علي نعيم الآخرة وجحيمها بل هو في دورهم الثلاث هم كذلك أعني دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار فهؤلاء في نعيم وهؤلاء في جحيم وهل النعيم إلا نعيم القلب؟ وهل العذاب إلا عذاب القلب؟ وأي عذاب أشد من الخوف والهم والحزن وضيق الصدر وإعراضه عن الله والدار الآخرة وتعلقه بغير الله وانقطاعه عن الله بكل واد منه شعبة وكل من تعلق به وأحبه من دون الله فإنه يسومه سوء العذاب فكل من أحب شئ غير الله عذب به ثلاثة مرات في هذه الدار فهو يعذب به قبل حصوله حتى يحصل فإذا حصل عذب به حال حصوله بخوفه من سلبه
(1) روي البخاري في الجهاد (2893) فتح)