وقوته وتنغيصه عليه وأنواع من العذاب فإذا سلبه اشتد عليه عذابه فهذه ثلاثة أنواع من العذاب في هذه الدار وأما في البرزخ فعذابه يقارنه ألم الفراق الذي لا يرجو عودة وألم فوت ما فاته من النعيم العظيم بانشغاله بضده وألم الحجاب عن الله وألم الحسرة التي تقطع الأكباد فالهم والغم والحسرة والحزن تعمل في نفوسهم نظير ما تعمل الهوام والديدان في أبدانهم بل عمله في النفوس دائم مستمر حتى يرده الله إلي أجسادها فحينئذ ينتقل العذاب إلي نوع هو أدهي وأمر فأين هذا من نعيم من يرقص قلبه طربًا فرحًا أنسًا بربه واشتياقا إليه وارتياحًا بحبه وطمأنينة بذكره حتى يقول بعضهم في حال نزعه واطرباه.
(7) الختم علي القلب
الختم علي القلب والأسماع والغشاوة علي الأبصار والأقفال علي القلوب وجعل الأكنة عليها والرين عليها وتقليب الأفئدة والأبصار والحيلولة بين المرء وقلبة وإغفال القلب عن ذكر الرب وإنساء الإنسان نفسه وترك إرادة الله في تطهير القلب وجعل الصدر ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء وصرف القلوب عن الحق وزيادتها مرضا علي مرضها وأركاسها وإنكاسها بحيث تبقي منكوسة كما ذكر الإمام عن حذيفة بن اليمان (رضي الله عنه) أنه قال: القلوب أربعة قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب أغلف فذلك قلب الكافر وقلب منكوس فذلك قلب المنافق وقلب تمده مادتان ماده إيمان ومادة نفاق وهو لما غلب عليه منها. [1]
فالمعصية تجعل القلب أصم لا يسمع أبكم لا ينطق به عمي لا يراه فتصير النسبة بين القلب وبين الحق الذي لا ينفعه غيره كالنسبة بين أذن أصم والأصوات وعين الأعمي والألوان ولسان الأخرس والكلام وبهذا يعلم أن العمي والصم والبكم للقلب بالذات والحقيقة وللجوارح بالعرض التبعية.
"فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور"[الحج، الآية رقم 46)
والمراد بالعمي التام هنا عمي القلب فعقوبة المعاصي تجعل القلب أعمي وأصم أي عليه حجاب أسود يحجبه عن الحق ويزين الباطل.
(1) الداء والدواء، ص 139، ابن قيم الجوزية)