واحتلف الناس هل يعود بعد التوبة إلي درجتة التي كان فيها بناءً علي أن التوبة تمحو أثر الذنب وتجعل وجودة كعدمة فكأنه لم يكن أولًا، يعود علي أن التوبة تأثيرها في إسقاط العقوبة وأما الدرجة التي فاتته فإنه لا يصل إليها.
قالوا: وتقرير ذلك: أنه كان مستعدًا باشتغالة بالطاعة في الزمن الذي عصي فيه لصعود أخر وإرتقاء تحمله أحماله السافلة بمنزلة كحسب الرجل كل يوم يحمله ماله الذي يملكه وكلما تضاعف المال تضاعف الربح فقد راح عليه في زمن المعصية ارتفاع وربح تحمله أعماله استأنف العمل استأنف صعودًا من نزول وكان من قبل ذلك صاعدًا من أسفل إلي أعلي وبينهما بون عظيم.
قالوا: ومثل ذلك رجلين يرتقيان في سلمين لا نهاية لهما وهما سواء منزل أحدهما إلي أسفل ولو درجة واحدة ثم استأنف الصعود فإن الذي لم ينزل يعلو عليه ولابد.
وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية بين الطائفتين حكمًا مقبولا ً فقال: التحقيق أن من التائبين من يعود إلي أرفع من درجته ومنهم من يعود إلي مثل درجته ومنهم من لا يصل إلي درجة، قلت: وهذا بحسب قوي التوبة وكما لها وما أحدثته المعصية للعبد من الذل والخضوع والإنابة والحذر والخوف من الله والبكاء من خشية الله وقد تقوي هذه الأمور حتى يعود التائب إلي أرفع من درجته ويصير بعد التوبة خيرًا من قبل الخطيئة فهذا قد تكون الخطيئة في حقه رحمة فإنها نفت عنه داء العجب وخلعته من ثقته بنفسه ودلاله بأعماله ووضعت فيه ضراعته وذلة وانكساره علي عتبة باب سيده ومولاه وعرفته قدرة وأشهدته فقرة وضرورته إلي حفظ سيدة ومولاه له وإلي عفوه له ومغفرته له وأخرجت من قلبه صوله الطاعة وكسرت أنفه أن يشيخ أو يتكبر بها أو يري نفسه بها خيرًا من غيره وأوقفته موقف الخاطئين المذنبين ناكسي الرأس بين يدي ربه مستحيًا خائفًا وجلا ً محتقرًا لطاعته مستعظمًا لمعصيته قد عرف نفسه بالنفس بالنقص والذم وربه منفردًا بالحمد والكمال والوقار فأي نعمة ٍ وصلت من الله إليه استكثرها علي نفسه ورأي نفسه دونها ولم يرها أهلا ً وأي نقمة أو بلية وصلت إليه رأي نفسه أهلا ً لما هو أكبر منها ورأي مولاه قد أحسن إليه إذ لم يعاقبه علي قدر جرمه ولا شطره ولا أدني جزء منه، فإن ما يستحقه من العقوبة لا يتحمله الجبال الراسيات فضلا ً عن هذا العبد الضعيف العاجز فإن الذنب إن صغر فإن مقابلة العظيم الذي لا شئ أعظم منه الكبير الذي لا شئ أكبر منه، الجليل الذي لا شئ أجل منه ولا أجمل منه، المنعم بجميع أصناف النعم دقيقها وجلها من أقبح الأمور