وأفظعها وأشنعها فإن مقابلة العظماء والأجلاء وسادات الناس بمثل ذلك يستقبحه كل أحد مؤمن وكافر وأرذل الناس وأسقطهم مروءة من قابلهم بالرذائل فكيف بعظيم السماوات والأرض وملك السماوات والأرض وإله السماوات والأرض ولولا أن رحمته غلبت عضيه ومغفرته سبقت عقوبته وإلا لتهدمت الأرض بمن قابله بما لا يليق مقابلته به ولولا حلمه ومغفرته لزلزلت السماوات والأرض من معاصي العباد قال تعالي"إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا"الأية"[فاطر، الآية 41)"
فتأمل ختم هذه الآية باسمين من أسمائه وهما الحليم الغفور، كيف تجد تحت ذلك أنه لوحلمه عن الجناه ومغفرته للعصاه لما استفرت السماوات والأرض وقد أخبي سبحانه عن بعض كفار عباده أنه"تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدأ. . . إلايه"[مريم، الآية رقم 90)
فقد أخرج الله الأبوين من الجنة بذنب واحد ارتكباه وخالفا فيه نهيه، ولعن إبليس وطرده وأخرجه من ملكوت السماوات بذنب واحد ارتكبه وخالف فيه أمره، ونحن معاشر الحمقي كما قيل:
نصل الذنوب إلي الذنوب ونرتجي درج الجنان لدي النعيم الخالد
ولقد علمنا أخرج الأبوين من ملكوته الأعلي بذنب ٍ واحد ٍ
(5) المعاصي تخون العبد أحوج ما يكون إلي نفسه:
ومن عقوباتها: أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلي نفسه فإن كل أحد يحتاج إلي معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشة ومعادة وأعلم الناس أعرفهم بذلك علي التفضيل، وأقواهم وأكيسهم من قوي علي نفسه وإرادته فاستعملها فيما ينفعه وكفها عما يضره وفي ذلك تتفاوت معارف الناس وهمهم ومنازلهم فأعرفهم من كان عارفًا بأسباب السعادة والشقاوة وأرشدهم من أثر هذه علي هذه كما أن أسفههم من عكس الأمر.
والمعاصي تخون العبد أحوج ما كان إلي نفسه في تحصيل هذا العلم، وإيثار الحظ الأشرف العالي الدائم علي الحظ الحسيس الأدنى المنقطع، فتحجبه الذنوب عن كمال هذا العلم وعن الاشتغال عما هو أولي به وأنفع له في الدارين فإذا وقع في مكروهٍ واحتاج إلي التخلص منه خانه قلبه ونفسه وجوارحه وكان بمنزلة رجل معه سيف قد غشيه الصدأ ولزم قرابه بحيث لا ينجذب مع