خرج سفيان الثوري للحج فكان يبكي من أول الليل إلي آخرة فقال له شيبان الراعي: يا سفيان لم بكاؤك؟ إن كان من أجل المعاصي فلا تعصيه، فقال سفيان: أما الذنوب فما خطرت ببالي قط، صغيرها ولا كبيرها ولكن خوف سوء الخاتمة لأني رأيت شيخا كبيرا كنا نكتب عنه العلم وجاور البيت الحرام فلما مات تحول وجهه عن القبله ومات إلي المشرق كافرا، فما أخاف إلا من سوء الخاتمة، فقال له شيبان: ذلك شؤم المعصية والإصرار علي الذنوب فلا تعصي ربك طرفة عين:
عجبت وفي الليالي معجبات وفي الأيام يعرفها البصير
بان الله قد أفنيـ رجالا ً كثيرا كان شأ نهم الفجور
وأبقي آخرين ببر قوم فينمو منهم الطفل الصغير
ولكن أعبد الرحمن ربي ليغفر ذنبي الرب الغفور
فتقوي الله ربكم احفظوها متي ما تحفظوها لا تبوروا
وخزي في الحياة وإن يموتوا يلاقوا ما تضيق به الصدور
الاستدراج:
قد يسأل سائل ويقول: ما بالنا نري أقوامًا قد امتلأت فجاج الأرض بمفاسدهم وظلمهم وقتلهم الأنفس بغير الحق وأكلهم الربا وقد نهوا عنه ومع ذلك نراهم وقد درت عليهم الأموال وأخرت لهم الأجال وهم في نعيم بعيد المنال بل هم علي حال ٍ هي خير الأحوال؟!
مهلا ً أيها السائل إن هؤلاء متبرُ ُ ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون، إن هؤلاء يملي لهم الله ليستدرجهم من حيث لا يعلمون، إن هؤلاء يملي لهم الله حتى إذا أخذهم أخذهم عزيز ٍ مقندر. يقول النبي صلي الله عليه وسلم إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وقرأ قوله تعالي:"وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القري وهي ظالمة إن أخذه أليمُ ُ شديد الأنعام: 45،44. والله تعالي يمهل ولا يهمل"