أكثر الناس وجفوه ومن هؤلاء الغرباء: من ذكرهم أنس في حديثه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم علي الله لأبره". [1] "
وقال الحسن: المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها ولا ينافس من عزها للناس حال وله حال، الناس منه في راحة وهو في نفسه في تعب"ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي - صلى الله عليه وسلم - التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس وترك الانتساب إلي أحد غير الله ورسوله لا شيخ ولا طريقه ولا مذهب ولا طائفة بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلي الله بالعبودية له وحده وإلي رسوله بالإتباع لما جاء به وحده. وهؤلاء هم القابضون علي الجمر حقا وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم فلغربتهم بين هذا الخلق يعدونهم أهل شذوذ وبدعه ومفارقه للسواد الأعظم ومعني قول النبي - صلى الله عليه وسلم - هم النزاع بين القبائل"أن الله سبحانه بعث رسوله وأهل الأرض علي أديان مختلفه فهم بين عباد أوثان، ونيران، و عباد صور، وصلبان، و يهود، وصابئة، وفلاسفة.
وكان الإسلام في أول ظهوره غربيا وكان من اسلم منهم واستجاب لله ولرسوله غريبا في بيته وقبيلته وأهله وعشيرته. فكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزاعا من القبائل بل آحادا منهم تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم ودخلوا في الإسلام فكانوا هم الغرباء حقا حتى ظهر الإسلام وانتشرت دعوته ودخل الناس فيه أفواجا فزالت تلك الغربة عنهم ثم أخذ في الاغتراب والترحل متي عاد غربيا كما بدأ الإسلام الحق الذي كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه هو اليوم أشد غربه منه في أول ظهوره وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهودة معروفه فالإسلام الحقيقي غريب جدًا وأهله غرباء أشد الغربه بين الناس. [2]
وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدًا غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة ذات اتباع ورئاسة ومناصب وولايات ولا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟ فإن نفس ما جاء به يضاد أهواءهم ولذاتهم وما هم عليه من الشبهات والبدع التي هي منتهي فضيلتهم وعملهم والشهوات التي هي غايات مقاصدهم وإرادتهم؟ فكيف لا يكون المؤمن السائر إلي الله علي طريق المتابعة غربيا بين هؤلاء الذين قد اتبعوا أهوائهم وأطاعوا شيعتهم وأعجب كل منهم برأيه؟. ولهذا جعل للمسلم الصادق في هذا الوقت إذا تمسك بدينه: أجر خمسين من الصحابة!!
(1) حسن: رواه الطحاوي في مشاكل الآثار (1/ 292) والحاكم وغيرهما)
(2) تهذيب المدارج (338/ 339)