الاستقامة في دينهم وهم معتصمون ومتحدون وكانوا علي ذلك في زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنه ثم أشعل الشيطان مكائده علي المسلمين وألقي بأسهم بينهم وأفشي فيهم فتنة الشبهات والشهوات ومازالت هاتان الفتنتان تتزايدان شيئًا فشيئًا حتى استحكمت مكيدة الشيطان وأطاعه أكثر الخلق فمنهم من ظل في طاعته في فتن الشبهات ومنهم من دخل في فتنه الشهوات ومنهم من جمع بينهما وكل ذلك ما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بوقوعه. فأما فتنة الشبهات"فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غبر وجه أن أمته ستفترق علي أزيد من سبعين فرقه، وأن جميع تلك الفرق في النار إلا فرقة واحده وهي ما كانت علي ما هو عليه وأصحابه - صلى الله عليه وسلم - وأما فتنة الشهوات: ففي صحيح مسلم"عن عبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"كيف أنتم إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم. . أ ي قوم أنتم! قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله"قال"أو غير ذلك تتنافسون ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون"وفي صحيح البخاري عن بن عمر وبن عوف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال"والله ما الفقر أخشي عليكم ولكن أخشي عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت علي من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم"وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخشي علي أمته هاتين الفتنتين كما في المسند عن أبي برزه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال"إنما أخشي عليكم الشهوات في بطونكم وفروجكم ومضلات الفتن وفي رواية"ومضلات الهوي"فلما دخل أكثر الناس في هاتين الفتنتين أو أحدهما أصبحوا متقاطعين متباغضين بعد أن كانوا أخوانًا متحابين متواصلين فإن فتهت الشهوات عمت غالب الحلق ففتنوا بالدنيا وزهرتها وصارت الرغبة غاية قصدهم لها يطلبون وبها يرضون ولها ينغضون ولها يوالون وعليها يعادون فقطعوا لذلك أرحامهم وسفكوا دمائهم وارتكبوا معاصي الله بسبب ذلك. وأما فتنة الشبهات والأهواء المضلة فبسببها تفرق أهل القبيلة وصاروا أشياعا وكفر بعضهم بعضًا وأصبحوا أعداء وفرقًا واحزابا بعد أن كانوا إخوانا قلوبهم علي قلب رجل واحد، فلم ينج من هذه الفرق إلا الفرقة والواحد ه الناجية وهم المذكورن في قوله - صلى الله عليه وسلم -"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين علي الحق لا يغرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم علي ذلك" [1] وهم في آخر الزمان الغرباء المذكورون في هذه الأحاديث الذين يصلحون إذ ا فسد الناس، وهم الذين يصلحون ما افسد الناس من السنن، وهم الذين يفرون بدينهم من الفتن، وهم النزاع بين القبائل لأنهم قلوا فلا يوجد في كل قبيلة منهم إلا الواحد والاثنان وقد لا يوجد في بعض القبائل منهم احد كما كان الداخلون في الإسلام في أول الأمر كذلك وكان الحسن يقول"يا أهل
(1) متفق عليه