فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 269

كتابه، ونصيحة عباده والتكلم بالعلم النافع ويكون لكم في هذا الثغر أمران عظيمان لا تبالون بأيهما ظفرتم.

أحدهما: التكلم بالباطل، فإن المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم ومن أكبر جندكم وأعوانكم.

والثاني: السكوت عن الحق، فإن الساكت عن الحق أخ لكم أخرس، كما أن الأول أخ ناطق، وربما كان الأخ الثاني أنفع أخويكم لكم، أما سمعتم قول الناصح:"المتكلم بالباطل شيطانُ ُ ناطق، والساكت عن الحق شيطانُ ُ أخرس"فالرباط الرباط عن هذا الثغر أن يتكلم بحق أو يمسك عن باطل، وزينوا له التكلم بالباطل بكل طريق، وخوفوه من التكلم بالحق بكل طريق. وأعلموا يا بَنِيٌ أن ثغر اللسان هو الذي أهلك منه بني آدم، وأكبهم منه علي مناخرهم في النار، فكم لي من قتيل وأسير وجريح أخذته من هذا الثغر؟ وأوصيكم بوصية ٍ فاحفظوها: لينطق أحدكم علي لسان أخيه من الإنس بالكلمة، ويكون الآخر علي لسان السامع، فينطق باستحسانها، وتعظيمها والتعجب منها، ويطلب من أخيه إعادتها وكونوا أعوانًا علي الإنس بكل طريق، وادخلوا عليهم من كل باب، واقعدوا لهم كل مرصد ٍ، أما سمعتم قسمي الذي قسمت به لربهم، حيث قلت:"قال فبما أغويتني لأقعدنٌَ لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين"أو ما تروني قد قعدت لابن آدم بطرقه كلها، فلا يفوتني من طريق إلا قعدت له بطريق ِ غيره، حتى أصيب منه حاجتي أو بعضها؟ وقد حذرهم ذلك رسولهم وقال لهم:"إن الشيطان قد قعد لابن آدم بطرقه كلها وقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك فخالفة وأسلم فقعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك فخالفه وهاجر، فقعد له بطريق الجهاد فقال له: أتجاهد، فتقتل، فيقسم المال، وتنكح الزوجة؟". [1]

فهكذا فاقعدوا لهم بكل طرق الخير، فإذا أراد أحدهم أن يتصدق فاقعدوا له علي طريق الصدقة، وقولوا له في نفسه؛ أتخرج المال فتبقي مثل هذا السائل وتصير بمنزلته أنت وهو سواء؟ أو ما سمعتم ما ألقيت علي لسان رجل سأله آخر أن يتصدق عليه، فقال: هي أموالنا إن أعطينا كموها صرنا مثلكم، واقعدوا له بطريق الحج فقولوا له: طريق مخوفه مشقة، يتعرض سالكها لتلف النفس والمال، وهكذا فاقعدوا علي سائر طرق الخير بالتنفير عنها وذكر صعوبتها وآفاتها،

(1) أخرجه النسائي وصححه الألباني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت