وبالجملة فأعدوا للأمور أقرانها، وادخلوا علي كل واحد من بني آدم من باب إرادته وشهوته، فساعدوه عليها وكونوا أعوانًا له علي تحصيلها، وإذا كان الله قد أمرهم أن يصبروا لكم، ويصابروكم، ويرابطوا عليكم الثغور، فاصبروا أنتم وصابروا ورابطوا عليهم بالثغور، وانتهزوا فرصتكم فيهم عند الشهوة والغضب، فلا تصطادوا بني آدم في أعظم من هذين الموطنين. وأعلموا أن منهم من يكون سلطان الشهوة عليه أغلب وسلطان غضبه ضعيف مقهور فخذوا عليه طريق الشهوة، ودعوا طريق الغضب، ومنهم من يكون سلطان الغضب عليه أغلب. فلا تخلوا طريق الشهوة قلبه، ولا تعطلوا ثغرها، فإن لم يملك نفسه عند الغضب فإنه الحري أن لا يملك نفسه عند الشهوة فزوجوا بين غضبه وشهوته وامزجوا أحدهما بالآخر وادعوه إلي الشهوة من باب الغضب، وإلي الغضب من طريق الشهوة. وأعلموا أنه ليس لكم في بني آدم سلاح أبلغ من هذين السلاحين، وإنما أخرجت أبويهم من الجنة بالشهوة، وإنما ألقيت العداوة بين أولادهم بالغضب، فبه قطعت أرحامهم، وسفكت دمائهم، وبه قتل أحد ابني آدم أخاه وأعلموا أن الغضب جمرة في قلب ابن آدم والشهوة تثور من قلبه وإنما تطفأ النار بالماء والصلاة والذكر والتكبير فإياكم أن تمكنوا ابن آدم عند غضبه وشهوته من قربان الوضوء والصلاة فإن ذلك يطفئ عنهم نار الغضب والشهوة وقد أمرهم نبيهم بذلك قال:"إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم من احمرار عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحس بذلك فليتوضأ". وقال لهم:"إنما تطفئ النار بالماء". وقد أوصاهم الله أن يستعينوا عليكم بالصبر والصلاة فحولوا بينهم وبين ذلك وأنسوهم إياه واستعينوا عليهم بالشهوة والغضب وأبلغ أسلحتكم فيهم وأنكاها: الغفلة وإتباع الهوي. وأعظم أسلحتهم فيكم وأمنع حصونهم: ذكر الله، ومخالفة الهوي. فإذا رأيتم الرجل مخالفًا لهواه، فاربوه من ظلة ولا تدنوا منه.
والمقصود أن الذنوب والمعاصي سلاح ومدد يمد بها أعداءه، ويعينهم بها علي نفسه فيقاتلون بسلاحه ويكون معهم علي نفسه وهذا غاية الجهل.
ما يبلغ الأعداء من جاهل * *** وما يبلغ الجاهل من نفسه.
ومن العجب أن العبد يسعي بجهده في هوان نفسه وهو يزعم أنه لها مكرم ويجتهد في حرمانها أعلي حظوظها وأشرفها وهو يزعم أن يسعي في حظها ويبذل جهده في تحقيرها وتصغيرها وتدنيسها وهو يزعم أنه يعليها ويرفعها ويكبرها.