فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 269

ومن العجز إلي الكيس ومن صوله العجب إلي ذلة الإخبات ومن التيه إلي التواضع فعند ذلك تكون نفسه مطمئنه.

وأصل ذلك كله هي اليقظة التي كشفت عن قلبه سنه الغفلة وأضاءت له قصور الجنة فصاح قائلا ً: ألا يا نفس ويحك ساعديني * * * بسعي منك في ظلم الليالي

لعلك في القيامة أن تفوزي * * *بطيب العيش في تلك العلالي

فرأي في ضوء هذه اليقظة ما خلق له وما سيلقاه بين يديه من حين الموت إلي دخوله دار القرار ورأي سرعة انقضاء الدنيا وقلة وفائها لبنيها وقتلها لعشاقها وفعلها بهم أنواع المثلات فنهض في ذلك الضوء علي ساق عزمه قائلا ً:"يا حسرتي علي ما فرطت في جنب الله" (سورة الزمر، الآية رقم 56)

روي عن أبي هريرة قال: جاء ناس من أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم فسألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان. [1]

روي عن عبد الله بن مسعود قال: سئل النبي صلي الله عليه وسلم عن الوسوسة قال: تلك محض الإيمان. روري مسلم كذلك، قال النووي: استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلا ً عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالا ًمحققًا وانتفت عنه الريبة والشك. [2]

فاستقبل بقية عمره مستدركًا ما فات معيبا ما أمات مستقبلا ً ما تقدم له من العثرات منتهزًا فرصة الإمكان التي إن فاتت فأته جميع الخيرات ثم يلحظ في نور تلك اليقظة نعمة ربه عليه ويري أنه آيس من حصرها وإحصائها عاجزًا عن أداء حقها ويري في تلك اليقظة عيوب نفسه وآفات عمله وما تقدم له من الجنايات والإساءات والتقاعد عن كثير من الحقوق والواجبات فتذكر نفسه وتخشع جوارحه ويسير إلي الله ناكس الرأس بين مشاهدة نعمة ومطالعة جناياته وعيوب نفسه ويري أيضا في ضوء تلك اليقظة عزة وقته وخطره وأنه رأس مال سعادته فيبخل

(1) مسلم الإيمان (2/ 153)

(2) شرح النووي علي صحيح مسلم (2/ 154)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت