توزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم وتزينوا للعرض الأكبر يؤمئذ تعرضون لا تخفي منكم خافية". [1] "
وقال الحسن: المؤمن قوام علي نفسه يحاسب نفسه لله وإنما خف الحساب يوم القيامة علي قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة إن المؤمن يفاجئه الشئ ويعجبه فيقول والله إني لأشهيك وإنك لمن حاجتي ولكن الله ما من حيله إليك هيهات حيل بيني وبينك ويفرط منه الشئ فيرجع إلي نفسه فيقول ما أردت إلي هذا مالي ولهذا والله لا أعود إلي هذا أبدا إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن وحال بين هلكتهم إن المؤمن أسير في الدنيا يسعي في فكاك رقبته لا يأمن شيئًا حتى يلقي الله يعلم أن الله مأخوذ عليه في سمعه وبصره وفي لسانه وفي جوارحه مأخوذ عليه في ذلك كله. وقال مالك بن دينار: رحم الله عبدًا قال لنفسه ألست صاحبة كذا ألست صاحبة كذا ثم ذمها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله عز وجل فكان لها قائدًا.
فحق علي الحازم المؤمن بالله واليوم الأخر ألا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها، قال الله تعالي:"يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا". [آل عمران، الآية رقم 30)
ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل، ونوع بعده.
أ) أما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همه وإرادته ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه علي تركه، قال الحسن رحمه الله: رحم الله عبدًا وقف عند همه فإذا كان لله أمضاه وإن كان لغيره تأخر. وشرح بعضهم هذا فقال: إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهم به العبد وقف أولا ً ونظر هل ذلك العمل مقدور عليه أو غير مقدور عليه ولا مستطاع فإن لم يكن مقدورًا عليه لم يقدم عليه وإن كان مقدورًا عليه وقف وقفه أخري ونظر هل فعله خير من تركه؟ أو تركه خير له من فعله؟ فإن كان تركه ولم يقدم عليه وإن كان الأول وقف وقفه ثالثه هل الباعث عليه إرادة وجه الله عز وجل وثوابه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق؟
فإن كان الثاني لم يقدم وإن أفضي به مطلوبة لئلا تعتاد النفس الشرك ويخفف عليها العمل لغير الله فبقدر ما يخفف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالي حتى يصير أثقل شئ عليها وإن كان الأول وقف وقفه أخري ونظر هل هو معان عليه وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان
(1) رواه الترمذي (9/ 287) صفة القيامة