بال سلاح ضرب المثل لديهم يفل، ويترك ساحة المعركة العقدية لأمثال القرآن تفعل فعلها في القلوب والعقول، فتقبل أفواجا على الدين الجديد؟
لقد ابتدأت معاناتهم مع أمثال القرآن الكريم من الفترة المكية والمسلمون مستضعفون يكاد الطير يتخطفهم، إذ ذاك شبه الوحي المكذبين بالكلب اللاهث في حالتي الراحة والتعب،، وشبه المشركين بالعبد فيه شركاء متشاكسون، وشبه الاحتماء بالأنداد باتخاذ بيت العنكبوت مأوى وحصنا، ونعى على المشركين عجز آلهتهم عن خلق ذبابة أو دفع أذاها، فقال عز وجل:
{فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُون} الأعرافَ 176/ 177.
{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} الزمر 29.
{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} العنكبوت 41.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} الحج 73
وفي المرحلة المدنية وقد اشتد ساعد الكفر العلني بالنفاق، وشحذت أسلحة التشكيك والتخذيل والتشويه والأكاذيب ضد المؤمنين، استمرت حملة القرآن الكاشفة لأحوالهم، الفاضحة لمآزقهم الفكرية والسلوكية، بدعوتهم إلى الإيمان حينا، وتذكيرهم بالمبدأ والمآل حينا، وإرشادهم إلى الحق تصريحا وتلميحا وتعريضا وتلويحا وضرب مثل حينا آخر.
إلا أن أمثال هذه المرحلة كانت أكثر إيلاما وأشد وقعا، وما الظن بمن ضرب بهم مثل الذي استوقد النار فذهب الله بنوره، أو بمن حاصره صيب الأمطار وصواعق البرق والرعد والعواصف في المتاهة المظلمة، كما في المثلين السابقين، أو بمن شبهوا بالحجر الصفوان إذ يفاخرون بالإنفاق رياء وسمعة، أو بمن شبهوا بالذي يتخبطه الشيطان من المس إذ يأكلون الربا ويتاجرون بها، وهم يعرفون بطبيعتهم البدوية وشيمهم المتعالية شناعة هذا التشبيهات وقساوتها، وهي عليهم أشد من جميع قصائد الهجاء التي يخشونها ويشترون ألسنة الشعراء بنفيس الأموال تلافيا لها:
{كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} البقرة 264.