{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} البقرة 275.
ذكر المشتغلون بأسباب النزول أن المشركين عندما ذكر القرآن في أمثاله الذباب والعنكبوت قال بعضهم:"أرأيتم، أي شيء يصنع بهذا؟"، وقال آخرون:"ما يستحي رب محمد أن يضرب الأمثال بالذباب والعنكبوت"، أما اليهود فتضاحكوا وقالوا"ما يشبه أن يكون هذا كلام الله"، ثم لما هاجر المسلمون إلى المدينة وكثر عددهم وقويت شوكتهم وأنزل الله تعالى تشبيه المنافقين وعتاة الكفار في أول سورة البقرة بمستوقد النار الأصم الأبكم الأعمى في الفلاة، وبالمحاصر بصيب الأمطار وقواصف البرق والرعد في المتاهة، قال المنافقون:"الله تعالى أعلى وأعظم من أن يضرب الأمثال بمثل هذه الأشياء التي لا بال لها"، وكان ملجأ الطائفتين مشركين ومنافقين إلى اليهود يتلقون منهم صورا من الكيد والتشغيب والطعن في بلاغة القرآن الكريم، تشكيكا في مصدره وفي صدقية المرسل به، وصرفا للناس عن التأثر به وفهم مدلول آياته ومقاصد أمثاله ومراميه، فأنزل الله تعالى قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ... } الآية.
ولئن اختلف المفسرون في معنى الاستحياء المنسوب إلى الله تعالى، في هذه الآية وفي غيرها قرآنا وآثارا نبوية، ما بين معطل ومؤول بالمجاز القريب ومجسد، وَوَكَلَ المحتاطون لدينهم أمرها إلى علام الغيوب، بتمريرها تنزيها لربهم تعالى عن المماثلة والمشابهة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى 11، فإن تجاوز خصوص سبب النزول إلى عموم المعنى يجعل الصورة لدينا أوضح وأشمل، فالغاية من ضرب الأمثال التفهيم والتوعية والتنبيه، وقد استعملها الإنسان منذ وجد على الأرض، وخاطب بهاالأنبياء أقوامهم كما ورد في الآثار، والعرب أنفسهم لهم في ضربها قصب السبق والسهم النافذ، ولم يطلقوا حملتهم ضدها إلا لأنهم يعرفون وقعها.
أما المُمَثَّلُ به، بعوضة كان أو عنكبوتا أو غيرهما، فهو مخلوق من مخاليق الله تعالى تتجلى فيه مهما صغر أو كبر قدرة بديع السماوات والأرض، ولئن كان الكفار لا يقدُرون الله حق قدره، فإن العلم الحديث حاليا قد كشف من البعوضة ما تحار فيه الألباب، وللخالق جل جلاله أن يضرب المثل بأيٍّ من مخلوقاته لأنه يعلم ما خلق وكيف خلق وأسرار ما أوْدَعَه في الخلق.
إلا أن العبرة ليست في المثل بقدر ما هي في أثره لدى المخاطبين به، وهم ما بين مؤمن يزداد إيمانه كلما خاطبه ربه، وربه لا يخاطبه إلا بالحق {فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} ، وهو يعلم أن الله لم يضرب المثل بالبعوضة وما دونها وما فوقها إلا لعلمه بها وبأسراره فيها.