وبين كافر جاحد أو منافق مخاتل شيمته التربص والكيد والشيطنة والمشاغبة على ركب الدعوة والإيمان، ودَيْدَنُه التشكيك والمغالطة والمدافعة بالباطل {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} .
والمثل القرآني بهذا الاعتبار مزيد هداية وتبصرة للمؤمنين، وأخذ لطيف بيد الباحثين عن الحق من غير المسلمين إلى صراط الله المستقيم، وهو في جانب آخر استفزاز لجهلة المصرين على الكفر والجحود، تأخذهم به العزة بالإثم فيزدادون عتوا وضلالا، وهو ما قرره عز وجل بقوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} .
إلا أن أشد الناس ضلالا به، هم نَقَضَةُ العهود من الفاسقين، {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} الآية، وهوتعريض واضح باليهود الذين هم مرجع المنافقين والمشركين في الكيد والمكر، والذين شكلوا على مدار التاريخ رأس الحربة في خاصرة المسلمين، بما جبلوا عليه من غدر وخيانة ومروق وعصيان وإفساد.
وأصل الفسق لغة هو الخروج، يقال: فسقت الرُّطَبة وانفسقت إذا خرجت من قشرها ولهذا يقال للفأرة:"فويسقة"لخروجها من جُحْرها للفساد، ولفظ الفسق بالمفهوم القرآني الذي هو الخروج عن الطاعة، لم يسمع في الجاهلية، وإنما هو مصطلح إسلامي، قال الله تعالى: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} أي خرج عن طاعته، إلا أنه في الحكم الشرعي منزلتان، فسق أكبر مخرج من الملة، كحال من استحل الحكم بغير ما أنزل الله تعالى صراحة وعمل به مختارا ودلت القرائن على أنه يفضله على حكم الشريعة، كما في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} المائدة 47، وهو المقصود في قوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} ، وفسق أصغر مع احتفاظ صاحبه بالإيمان، كحال من يرتكب الكبائر وهو يعتقد أنها محرمة وأنه عصى ربه بما فعل، وقد ورد في تفسير ابن أبي حاتم عن ابن جريج عن عطاء في قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} قال:"فسق دون فسق"وروي عن ابن طاوس مثل ذلك.
إن هؤلاء الكفرة الفاسقين الذين يزدادون ضلالا بما ينزله الله تعالى من أمثال القرآن الكريم الكاشفة لأحوالهم، ليسوا كفارا عاديين، ولكن لهم مواصفات خاصة، جعلتهم أشد الناس عداوة للمؤمنين.
أول صفاتهم أنهم {يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} ، والعهد آصرة متينة عليها بني التكليف، ومن أجلها أنزل الإنسان واستخلف في الأرض، وعلى أساسها يكون الجزاء يوم العرض، ولقد أُخِذَ علينا ونحن في ظهور أبينا آدم عليه السلام هذا الميثاق فأقررناه والتزمنا بمقتضاه، وهو لخطورة شأنه يستوعب جميع تكاليف الدنيا بلاء واختبارا، وينتظم كل جزاءات الآخرة جنة ونارا.